عن البنية الأمنية ( الجزء الثاني): منهجية الإستراتيجية الأمنية للمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني “الديستي” في مواجهة المؤامرات.
بقلم الدكتور طارق اتلاتي: رئيس المركز المغربي للدراسات والأبحاث الاستراتيجية.
الحديث عن المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني المعروفة اختصارا ب ” الديستي” يعتريه الكثير من الصعوبات، خاصة على مستوى الإحاطة بجميع المعلومات والمعطيات المرتبطة بطبيعة التركيبة والهيكلة الإدارية لهذه المؤسسة الأمنية الاستخباراتية وطبيعة الآليات والمناهج والطرق التي تشتغل بها في تدبير شؤونها الإدارية والأمنية / الاستخباراتية من أجل حماية الأمن الروحي للمواطنين وصيانة وسلامة الوطن.
كما يصعب الإلمام بكافة تفاصيل المنهجية الأمنية/ الاستراتيجية التي تعتمدها في التعاطي مع الشأن الأمني داخل وخارج المملكة المغربية، ما يجعل الخوض في المسارات والمحددات الكبرى لعمل هذه المؤسسة الأكثر تفاعلا مع الفعل الأمني/ الاستخباراتي داخليا وحتى خارجيا في صعبا للغاية، لاستحالة تفكيك كافة الخيوط الناظمة لسير وعمل مؤسسة أمنية من هذا الحجم، وبالتالي ستتم مقاربة خيوط ومسارات الإدارة العامة لمديرية مراقبة التراب الوطني من بوابة القراءة المعمقة لأهدافها.
إلى ذلك، فما يمكن استنتاجه بحسب المراقبين للشأن الأمني في شقه الاستخبارتي بشكل أدق، يتمثل أساسا في ارتفاع منسوب الفعالية والتحصين والجرأة والإقدام لجهاز هذه الإدارة بكافة المحطات والمناطق الترابية الخاضعة لنفوذها الأمني دون تحديد المجالات الإدارية و الترابية التي تخضع في أجندة هذه الإدارة لحسابات خاصة وسرية للغاية، غير ملزمة لباقي الأجهزة الاستخباراتية وطنية كانت أو أجنيية، باعتبارها مجالات واختصاصات محفوظة ومشمولة بالكتمان والسرية المطلقة. كما أن ذات الميزة والفعالية تحضى بها مديرية مراقبة التراب الوطني داخل أكثر مربعات بؤر المناطق الموسومة بالمخاطر الأمنية والتهديدات الإرهابية للجماعات المتطرفة بعدد من الدول والمناطق بالمحيط الإقليمي والدولي للمملكة المغربية بحسب رأي المراقبين الدولين على عهد مديرها العام الحالي السيد عبد اللطيف الحموشي، الذي تمكن في ظرف قياسي من إخراج جهاز هذه الإدارة من دائرة الغموض والارتباك والتراخي وعدم الجاهزية في محطات بعينها كانت جد حاسمة في تاريخ المملكة المغربية، قبل أن تنتهك حرمة ما كان يعرف بالاستثناء الأمني المغربي في أعقاب تفجيرات 16 ماي الدامية، وما تلاها من تفجيرات إرهابية متلاحقة في غفلة من المسؤولين الذين تناوبوا على إدارة جهاز هذه المديرية التي يفترض أنها مسؤولة عن أمن المواطنين وعلى رأسه الأمن الروحي، مما عجل بتعين السيد عبد اللطيف الحموشي على رأس هذه الإدارة من طرف عاهل البلاد، فكان في أعقاب ذلك أن عمد السيد الحموشي بتوجيهات ملكية صارمة إلى خلق دينامية جديدة أهلت جميع مرافق جهاز هذه الإدارة، والعمل على إخراجها إلى العلن بكثير من الشفافية والوضوح في إدارتها لجميع مهامها واختصاصاتها الأمنية / الاستخبارتية ، بعد الإصلاحات العميقة والجذرية التي شملت كافة مكاتبها ومرافقها من خلال عملية إعادة الهيكلة الإدارية والتقنية والفنية بما في ذلك إعادة هيكلة جميع البرامج والمناهج الأمنية والاستخباراتية، وكذا الأساليب والطرق الكلاسيكية التي لم تعد قادرة على مجاراة التحديات الأمنية المتشعبة التي فرضتها بقوة التحولات والمتغيرات الميدانية للجريمة بشكل عام ، بكل أصنافها الفردية والجماعية محليا وإقليميا ودوليا.وهي التحديات والرهانات التي دفعت الرجل إلى ضخ دماء جديدة في كافة أسلاك هذا الجهاز، من ذوي الخبرات والاختصاصات والكفاءات العالية، حيث قام بتطعيم مديرية مراقبة التراب الوطني بخيرة الأطر الأمنية والكوادرالعالية الكفاءة المهنية والاحترافية مع تجديد آليات منظومة التدريب والتحصيل والتدريس للأساليب الأمنية والاستخباراتية ذات الصلة بالحصول على المعلومة وتحيينها وتفكيكها بطرق علمية وتقنية وبحثية فائقة الدقة، بمعنى تمة إصلاح شبه كلي لكافة المرافق، والأقسام، والمكاتب الخارجية، والمناهج والبرامج المرتبطة بعمل هذه المؤسسة الأمنية /الاستخباراتية التي أصبحت في ظل الاستراتيجية الوطنية المتكاملة الأدرع والمهام التي أقرها وأدارها بحنكة وذكاء، وسرية غير معهودة السيد عبد اللطيف الحموشي، في تنزيل محكم لكافة التوجيهات العامة الصارمة والدقيقة لجلالة الملك محمد السادس، وفي انسجام كامل مع رؤى جلالته بشأن تحديث وتطوير جهاز مديرية الأمن الاستخباراتي بالمملكة، بالقدر الذي يساعد على رفع كل أشكال التحدي الأمني المطروح إقليميا ودوليا وبخاصة على مستوى تحديات الجوار المغاربي ودول الساحل والصحراء ودول شمال إفريقيا.
فمن يكون السيد عبد اللطيف الحموشي، الرجل الذي حوّل الأمن المغربي إلى مدرسة في النجاعة والاستباقية؟
حين يُذكر الأمن المغربي اليوم في المحافل الدولية، فإن اسم عبد اللطيف الحموشي يطفو تلقائيًا على السطح. ليس مجرد مدير عام لجهازين استراتيجيين، بل رجل دولة استثنائي جمع بين رؤية بعيدة المدى وصرامة نادرة في التنفيذ. إنه رمز من رموز المغرب الحديث، ورجل ثقة اختاره جلالة الملك محمد السادس ليحمل على عاتقه مسؤولية جسيمة في ظرفية إقليمية ودولية مضطربة.
قاد بصمت الإصلاح الأمني بجرأة وعمق
منذ أن تولى مهامه، نقل الحموشي جهاز الأمن الوطني من مرحلة تقليدية إلى مرحلة متقدمة من العصرنة والنجاعة. فقد أرسى ثقافة جديدة داخل المؤسسات الأمنية، تقوم على الشفافية، التكوين المستمر، والتقارب مع المواطن. لم يعد رجل الأمن ذاك الوجه المتجهم، بل بات عنوانًا للثقة والانضباط، انعكاسًا مباشرًا للرؤية الإصلاحية التي قادها الحموشي بذكاء وهدوء.
يرى فيه المراقبون حامٍ للاستقرار ومهندس للتعاون الدولي بفضل استباقيته إذ نجح المغرب في إحباط عشرات المخططات الإرهابية، وحمى ليس فقط أمنه الداخلي بل أيضًا أمن شركائه في أوروبا وإفريقيا. إشادة أجهزة أمنية عالمية بالكفاءة المغربية لم تأت من فراغ، بل من خبرة وحنكة رجل جعل من مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة ورقة قوة دبلوماسية للمملكة.
ثقة ملكية نادرة
أن يُمنح شخص واحد مهمة قيادة الأمن الوطني ومراقبة التراب الوطني في الوقت نفسه، فذلك شهادة لا تمنحها الدول إلا لرجال استثنائيين. إنها ثقة ملكية نادرة تؤكد أن الحموشي لم يعد مجرد مسؤول إداري، بل ركيزة من ركائز استقرار المملكة، وواحد من أعمدة استراتيجيتها الأمنية والدبلوماسية.
احترام شعبي واسع
في الشارع، صار اسم الحموشي مرادفًا للأمن القوي والحكيم. يحظى باحترام كبير من طرف المواطنين الذين يرون فيه رمزًا لرجل يشتغل في صمت ويحقق نتائج ملموسة. إنه نموذج للمسؤول الذي جمع بين الانضباط الحديدي والتواضع الإنساني، فبات قريبًا من المواطن كما هو قريب من هموم الدولة الكبرى.
رجل دولة بامتياز
عبد اللطيف الحموشي ليس مجرد إداري أو تقني في الأمن، بل رجل دولة بالمعنى الكامل للكلمة. رجل يعي أن الأمن هو العمود الفقري لكل مشروع تنموي، وأن حماية الوطن لا تنفصل عن بناء صورته الإيجابية في الخارج. وبذلك، استطاع أن يجعل من المغرب بلدًا يُحتذى به في إدارة التوازن بين الحرية والأمن، بين الصرامة والشرعية، بين الطمأنينة والهيبة.
في زمن الأزمات المتلاحقة، يبرز عبد اللطيف الحموشي كرجل استثنائي في موقع استثنائي. رجل جعل من المؤسسة الأمنية مدرسة حقيقية في الاستباقية والنجاعة، وحوّلها إلى درع حامٍ للدولة وواجهة مشرّفة لها في الخارج.
وكان في أفق هذه التحديات المتواترة في أكثر من محطة ونقطة ومنطقة وطنيا وإقليميا ودوليا، أن أصبحت المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني الرقم الأصعب في المعادلة الأمنية قبل أن تتحول في ظل تراكم النجاحات الأمنية / الإستخباراتية غير المسبوقة داخليا وخارجيا إلى برج للمملكة المغربية المتحكم في أدق تفاصيل خيوط المعلومة الاستخباراتية على كافة الواجهات الأمنية.
وبرأي خبراء الفعل الأمني والاستخباراتي تتسيد أكبر تجليات النجاحات الباهرة لرجال ونساء السيد عبد اللطيف الحموشي بشأن الاستراتيجية الوطنية الأمنية التي قام ومايزال بتنزيل فصولها عبر مراحل متفرقة في “حواراته” إن صح التعبير مع كافة الظواهر والأحجام الإجرامية والتحديات الأمنية الداخلية والخارجية، تلك المتمثلة في الإجراءات والتدابير الاستخباراتية الأمنية الاستباقية والوقائية، التي تعتمدها عناصر السيد الحموشي في نهجها العام لمسارها العملي الميداني. وهي الاستراتيجية التي أعطت نتائج غير مسبوقة في تحييد العديد من المخاطر الأمنية والإجرامية والإرهابية، مما جنب المملكة المغربية إلى جانب العديد من الدول الإقليمية والإفريقية والأوروبية، والغربية حمام دم، وخسائر كارثية في الأرواح والممتلكات في ضوء تفكيك جهاز السيد الحموشي لعشرات إن لم نقل لمئات من الخلايا الإرهابية النائمة والذئاب المنفردة، والجماعات المتطرفة لما يعرف بأمراء الدم.
وتكاد تجمع معظم التقارير الإعلامية ودراسات مراكز التفكير والتحليل الدولية عبر العالم على نجاعة، وقوة، وحنكة جهاز الأمن الاستخباراتي المغربي، الساهر على تدبيره السيد عبد اللطيف الحموشي بدهاء واحترافية عالية، بعيدا عن أي بروباغاندا إعلامية أو ماشابه ذلك.
وللتدليل على المكانة التي حجزها هذا الجهاز لنفسه بقوة عن جدارة واستحقاق داخل خارطة الأجهزة الأمنية الاستخباراتية العالمية، والتي تتمثل في الدور الريادي للمملكة المغربية على مستوى ضبط المعلومة الاستخباراتية، ذات الصلة أساسا بالحرب على الإرهاب ومحاربة الجريمة المنظمة، والاتجار الدولي في المخدرات بكل أصنافها، بالإضافة إلى الهجرة غير الشرعية، وكذا الاتجار في البشر، وتهريب السلاح بعدد من مناطق بؤر التوتر بخاصة ببعض المناطق بالقارة السمراء والمؤامرات الدنيئة التي تحاك ضد الوطن من قبل مأجورين بمنابر إعلامية مفلسة أو وسائط اجتماعية وكلها تخدم أجندات معادية للوطن.
هذه الريادة المتحدث عنها بكثير من الإيجاز كانت وراء ترؤس المغرب إلى جانب هولاندا قيادة المنتدى العالمي لمحاربة الإرهاب وغيره، كما كانت بالمقابل خلف توشيح السيد عبد اللطيف الحموشي في أكثر من دولة أوروبية وغربية وإفريقية بأوسمة الاستحقاق والكفاءة، بعد أن بصم جهاز مراقبة التراب الوطني “الدستي” بقوة بطابعه الخاص والمتفردة في قضايا وأحداث وملفات أمنية / استخباراتية إقليمية ودولية بامتياز.
وفي سياق متصل سبق وأن أكدت أشغال المؤتمر المخصص لتوقيع” الكتاب الأبيض” بدولة السنغال سنة 2015، الخاص بقضايا الإرهاب على الدور المحوري للاستخبارات المغربية في محاربة كل أشكال الجريمة المنظمة والإرهاب. حيث كشفت صفحات الكتاب المذكور أن استخبارات المملكة المغربية مدت عشرات الدول عبر العالم بمعلومات دقيقة وخطيرة تخص أمنها القومي المستهدف من طرف الخلايا والجماعات الارهابية. وتبقى الأحداث الإرهابية التي شهدتها فرنسا على عهد رئيسها فرانسوا هولاند و حتى ماكرون وكذا بلجيكا وغيرها أكبر الأدلة والشواهد على دور المغرب و جهاز أمنه الاستخباراتي في وأد وإقبار أفضع المخاطر والخلايا الإرهابية الدموية في مهدها، في ضوء توفير المعلومة ومعالجتها في حينها كإجراء استباقي يروم إعدام الجريمة وآلياتها، وعناصر تنفيذها في مصدرها قبل الوصول إلى مرحلة التنفيذ.
قد يطول الحديث عن النجاحات المتواصلة المحلية والاقليمية والدولية لجهاز مديرية مراقبة التراب الوطني بشكل خاص في هذه المقالة لكن الثابت والمتحول بحسب الخبراء والمراقبين الأمنيين في المعادلة الاستخباراتية، وما حققته من انتصارات ومكاسب وماتزال داخليا وحتى خارجيا، وطنيا وقاريا، يكمن بالأساس في المقاربة الذكية وغير المسبوقة التي انتهجها المغرب في شخص جلالة الملك محمد السادس الذي عمد إلى تجميع مرافق الإدارة العامة لمديرية الأمن الوطني العمومي بكل فروعه، إلى جانب الأمن الاستخباراتي للمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، في يد مدير عام واحد من حجم السيد عبد اللطيف الحموشي. الأمر الذي سهل مأمورية جمع وتوحيد المعلومة بسرعة البرق وخلق تكامل غير مسبوق في التعاون الأمني والاستخباراتي، ومعالجة المعطيات الأمنية وغيرها، برؤى دقيقة واستباقية للتصدي المبكر للفعل الإجرامي، والعمل بالمقابل على حماية أمن المواطنين وحماية الوطن من كافة المخاطر الإرهابية والإجرامية والمؤامرات بشكل عام.
مشاركة المحتوى:



إرسال التعليق