عن البنية الأمنية (الجزء الرابع ): تكامل المخابرات الداخلية والخارجية في المغرب: صخرة تتحطم عليها المؤامرات الأجنبية.
بقلم الدكتور طارق اتلاتي: رئيس المركز المغربي للدراسات والأبحاث الاستراتيجية
يُعتبر الأمن القومي المغربي منظومة متكاملة تتوزع أدوارها بين مؤسسات متعددة، غير أن حجر الزاوية فيها يظل جهازا المخابرات: المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني (DGST)، المسؤولة عن الأمن الداخلي، والمديرية العامة للدراسات والمستندات (DGED)، الموكولة بالاستخبارات الخارجية. ورغم اختلاف نطاق العمل بين الداخلي والخارجي، فإن التناغم والتكامل بين الجهازين يشكلان أساس قوة المغرب في مواجهة التهديدات المتعددة والمعقدة.
أدوار متمايزة ومسؤوليات متكاملة
تلعب DGST دور الحارس اليقظ للجبهة الداخلية، من خلال متابعة التهديدات الإرهابية المحتملة، ورصد الشبكات الإجرامية، والتصدي لكل ما من شأنه المسّ بأمن واستقرار الوطن من الداخل. في المقابل، تنشط DGED في الساحة الخارجية، حيث تجمع المعلومات، وتحلل التوازنات الإقليمية والدولية، وتوفر للدولة المعطيات الضرورية لصنع القرار الاستراتيجي والدبلوماسي وتسمح بحسن التموقعات الجيوستراتيجية.
هذا التوزيع الذكي للمهام يمنع التداخل غير المجدي، ويتيح بناء سلسلة أمنية مترابطة تبدأ من الداخل ولا تنتهي عند الحدود الجغرافية، بل تمتد إلى حيث تتشكل المخاطر في محيط المغرب الإقليمي والدولي.
جسور التعاون بين الجهازين
رغم اختلاف نطاق التدخل، فإن الجهازين يعملان وفق منطق التنسيق المستمر وتبادل المعلومات. فالمعطيات التي تجمعها الاستخبارات الخارجية حول أنشطة الجماعات المتطرفة في منطقة الساحل مثلًا، تصبح مادة أساسية للعمل الاستباقي للأمن الداخلي. بالمقابل، ما ترصده الأجهزة الداخلية من تحركات أو خلايا نائمة قد يتحول إلى إشارات أولية لعمل استقصائي خارجي يرصد امتداداتها.
هذا التكامل المعلوماتي والعملياتي يجعل المغرب قادرًا على إحباط المخططات الإرهابية قبل أن تبلغ مرحلة التنفيذ، ويمنحه تفوقًا في مواجهة الشبكات الإجرامية المنظمة العابرة للحدود.
الثوابت الوطنية: الرابط الجامع بين الجهازين
رغم تمايز الأدوار والاختصاصات، فإن القاسم المشترك الذي يوحّد عمل الجهازين هو التشبث العميق بثوابت المملكة: الله – الوطن – الملك. هذه المرجعية ليست مجرد شعار، بل هي بوصلة استراتيجية تؤطر كل العمليات والقرارات والبرامج الاستخباراتية.
فالعاملون في كل من DGST وDGED يذوبون في الدفاع عن سيادة المملكة وأمنها ومصالحها العليا، دون أي اعتبار لمصالح شخصية أو حسابات ضيقة. إنهم جنود في الظل، يضعون الانتماء الوطني فوق كل اعتبار، ويجعلون من التضحية من أجل أمن البلاد وكرامة المواطنين قيمة يومية وممارسة عملية تتجسد في أدق التفاصيل.
قيادة موحدة وضابط استقرار
إلى جانب هذا التكامل الثنائي بين الداخلي والخارجي، تبرز البنية الأمنية المغربية ككل كجهاز منسجم يخضع لتوجيهات جلالة الملك محمد السادس. ويُشرف عليها رجل وفيّ للملك، هو المستشار الأمني والسياسي لجلالته، الذي يضطلع بدور ضابط إيقاع استراتيجي يضمن الانسجام بين مختلف الأجهزة الأمنية، ويضفي عليها استقرارًا مؤسساتيًا يُبعدها عن أي تضارب أو تنازع في الصلاحيات.
هذا الإشراف الملكي المباشر، عبر مستشاره الموثوق، يجعل من الأجهزة الأمنية المغربية بنية متماسكة تتحرك وفق رؤية موحدة، ويعزز الثقة الداخلية والخارجية في قدرة المغرب على مواجهة التحديات الأمنية والجيوسياسية المتزايدة.
المؤامرات، الدسائس والخيانة… تتكسر عند صخرة العقيدة الوطنية
تحاول بعض القوى الأجنبية عبر أساليب دنيئة بث الفتنة بين الأجهزة الأمنية المغربية وإظهارها ككيانات متنافسة، في محاولة لفتح ثغرات يستغلونها لضرب استقرار البلاد. غير أن هذه المناورات، مهما تنوعت أدواتها الإعلامية والدعائية، لن تجدي نفعًا.
فالروح الوطنية الصلبة التي تجمع قادة الجهازين، والإخلاص الذي يميز شرفاء الوطن العاملين في صفوفهما، تجعل هذه المؤامرات مجرد فقاعات هواء تتبدد أمام صخرة الولاء للوطن والعرش. لقد أثبتت التجربة أن كل الحملات العدائية التي تستهدف الأجهزة الأمنية المغربية، سرعان ما تنكشف حقيقتها وتفشل، لأنها تفتقد إلى فهم العمق الوطني المغربي المبني على وحدة الثوابت وشرعية المؤسسات.
وإلى جانب المؤامرات الخارجية، فإن الخيانة بدورها لا مكان لها في المغرب، مهما حاولت أن تستقوي بالأعداء الخارجيين أو أن تحتمي بأجندات مشبوهة. فالدولة بمؤسساتها الأمنية الصلبة قادرة على كشفها في مهدها، وتجفيف منابعها، وردع كل من تسوّل له نفسه المسّ بأمن الوطن.
بهذا المعنى، يظل التكامل بين DGST وDGED ليس فقط ضمانة أمنية، بل رسالة سياسية وأخلاقية مفادها أن المغرب قلعة حصينة، وأن كل مؤامرة أو خيانة، داخلية كانت أم خارجية، ستتكسر على صخرة الثوابت الوطنية: الله – الوطن – الملك.
مشاركة المحتوى:



إرسال التعليق