هكذا جعلوا من الزعيم دولة… أزمة تجمع الأحرار التي تُعرّي عطب السياسة.
بقلم الحاج المعطي
لم يعد من الممكن تجميل الصورة أو تلطيف الكلمات ، حزب التجمع الوطني للأحرار يعيش أزمة سياسية حادة، أزمة لا يصنعها خصومه ولا سياق المرحلة، بل يصنعها هو بنفسه من خلال ممارسات و اختيارات تُظهر ضعفاً في النضج السياسي وغياباً في الإحساس بثقل المسؤولية.
فالحزب الذي يقدّم نفسه كقوة سياسية حديثة، أصبح أسير منطق قديم متهالك يقوم على الطاعة للزعيم بدل الالتزام بالفكرة. الأسوأ من ذلك أن بعض أطره باتوا يعاملون الأمين العام وكأنه رمز دولة، وليس مجرد قائد حزبي قابل للنقد والمحاسبة.
وهذا خلطٌ خطير، لا يصدر إلا عن حزب فاقد للبوصلة، غير قادر على التمييز بين الدولة كمرجعية جامعة، وبين قيادة حزبية تتغير بتغير الظروف.
إن التخبط داخل الحزب لم يعد مجرد سوء تدبير، بل أصبح سلوكاً ممنهجاً قائمًا على تحويل الولاء للأمين العام إلى معيار للانتماء الوطني. وكأن الحزب يريد أن يقول للمغاربة “من ليس معنا فهو ضد الدولة.”
هذا النوع من الخطاب ليس فقط مضلّلاً، بل مهين لذكاء المواطنات و المواطنين، ومخالف لأسس السياسة الحديثة. وتاريخ السياسة لمن يعتبر مليء بأمثلة لأحزاب اختارت هذا الطريق… وانتهت على هامش التاريخ، في تونس الثمانينات، انغلق الحزب الحاكم على ذاته واعتبر أي نقد للقيادة تهديداً للدولة نفسها، فانهار مع تغير المعادلة.
في تركيا السبعينات، تورّط حزب العدالة والتنمية في تقديس زعيمه سليمان ديميريل، فاختنق داخلياً وفقد قدرته على إنتاج نخب جديدة.
هذه التجارب ليست أشباحاً من الماضي، بل إشارات تحذيرية لأي حزب يخلط بين موقعه الحزبي ومكانة الدولة، فحزب الأحرار اليوم يكرر نفس الأخطاء القاتلة:
قيادة تعتبر النقد خروجاً عن الصف، وقواعد تردد خطاب الولاء بلا تفكير او ضبط، وآلة تواصل تحاول تغليف كل عطب سياسي بغطاء “الدفاع عن الثوابت”.
لكن الحقيقة واضحة من يعجز عن ترتيب بيته الداخلي لن ينجح في إقناع الناس بأنه قادر على تدبير الشأن العام و هذه حقيقة متواصلة منذ سنة 2011 .
وإذا استمر الحزب في هذا المسار — مسار تحويل الزعيم إلى مرجع أعلى، وتقديس الأشخاص بدل بناء المؤسسات — فإنه لن يختلف كثيراً عن الأحزاب التي انهارت بمجرد زوال هالتها المصطنعة المبنية على التقرب للامين العام وانتظار ما سيغدق به و في مقابل ذلك المدح و الإطناب المنحرفين لا يتوقفان.
السياسة ليست مسرحاً للولاءات العمياء.
والحزب الذي يخاف النقد لا يستحق أن يقود.
والمستقبل لن يكون لمن يرفعون الزعيم فوق الدولة، بل لمن يرفعون الدولة فوق كل الزعماء.
مشاركة المحتوى:


إرسال التعليق