كأس إفريقيا في المغرب بين التفوق اللوجستي وتفكيك التشويش الإقليمي.
بقلم نفعي خيا : باحث في العلاقات الدولية والدراسات الاستراتيجية
أضحت التظاهرات الرياضية الكبرى، في سياق التحولات العميقة التي يعرفها النظام الدولي، مكوِّنًا فاعلًا ضمن منظومات القوة الناعمة، ووسيطًا غير تقليدي لإنتاج الشرعية وبناء المكانة الإقليمية. فلم يعد تنظيم حدث رياضي قاري أو دولي يُقاس فقط بمعايير النجاح التقني أو الإخراجي، بل بقدرته على عكس جاهزية الدولة، وفعالية مؤسساتها، ومستوى اندماجها في شبكات الثقة الإقليمية والدولية. وضمن هذا الإطار، تكتسي استضافة المملكة المغربية لكأس الأمم الإفريقية دلالة تتجاوز البعد الرياضي، لتندرج ضمن منطق التفوق اللوجستي بوصفه أحد مؤشرات الدولة القادرة، وأداة لإعادة تشكيل التوازنات الرمزية في محيط إقليمي يتسم بالتنافس وعدم الاستقرار.
إن التفوق اللوجستي، كما يُعرّف في الأدبيات الاستراتيجية، لا يقتصر على توفر البنيات التحتية أو وفرة الموارد، بل يتأسس على قدرة الدولة على التخطيط المسبق، والتنسيق المؤسسي، وإدارة الزمن والفضاء في سياقات مركبة. وقد تجلّى هذا التفوق في النموذج المغربي باعتباره منظومة متكاملة لا تقوم على ردّ الفعل، بل على الاستباق والبناء التراكمي. فالتكامل بين شبكات النقل، والبنيات الرياضية، والقدرات التنظيمية، وآليات التدبير الحضري، عكس نجاعة سياسات عمومية طويلة النفس، رسّختها رؤية ملكية تعتبر التنمية عملية شمولية تقوم على بناء منظومات مستدامة لا مشاريع ظرفية. وبهذا المعنى، ينتقل المغرب من منطق “الاستجابة للحدث” إلى منطق “الاستعداد البنيوي”، حيث يصبح تنظيم التظاهرات الكبرى امتدادًا طبيعيًا لنضج الدولة، لا استثناءً طارئًا في مسارها.
وفي امتداد هذا التميز التنظيمي، تبرز الدبلوماسية الرياضية كرافعة للتواصل الاستراتيجي مع المحيط القاري، إذ تتحول الملاعب، وأنماط التنظيم، وسلاسة التدبير، إلى رسائل رمزية تعيد تشكيل الصورة الذهنية للدولة. وفي القارة الإفريقية، حيث تلعب الرمزية دورًا مركزيًا في بناء الثقة، يكتسب هذا البعد أهمية مضاعفة؛ فقد عزز التفوق المغربي صورة المملكة كفاعل يجمع بين الاستقرار والنجاعة، ويزاوج بين الطموح الإقليمي والقدرة العملية. وهو ما ينسجم مع الرؤية الملكية التي جعلت من الانخراط في العمق الإفريقي خيارًا استراتيجيًا ثابتًا، تُترجمه المبادرات الملموسة والمشاريع العابرة للحدود، قبل أي خطاب سياسي.
ولا يمكن فصل هذا النجاح اللوجستي عن مقاربة الحوكمة الأمنية الوقائية التي اعتمدتها المملكة، وهي مقاربة تتجاوز المفهوم التقليدي للأمن القائم على الردع الظاهر، لتقوم على التنسيق المحكم والاستباق الهادئ دون المساس بسلاسة الفضاء العمومي. ويكشف هذا النموذج عن نضج مؤسساتي قادر على تحقيق معادلة دقيقة بين متطلبات الاستقرار واحترام دينامية المجتمع، وهو شرط أساسي لأي مشروع إشعاعي في محيط إقليمي تعاني فيه بعض الدول من هشاشة بنيوية تجعل من تنظيم الأحداث الكبرى تحديًا يفوق قدراتها المؤسساتية.
وبقدر ما راكم المغرب هذا التفوق، برزت في المقابل محاولات للتشكيك والتقليل من قيمة الإنجاز عبر ما يمكن توصيفه بـ “التشويش الرمزي”. وغالبًا ما يُفهم هذا السلوك بوصفه تعبيرًا عن اختلال في ميزان المقارنة، حيث يصبح الخطاب الإعلامي المضاد بديلاً عن العجز في القدرة العملية. وتكشف هذه الظاهرة مفارقة لافتة في العلاقات الإقليمية: فكلما تعزز نموذج قائم على الفعل والتراكم، ارتفعت حدة الخطابات التي تستهدف دلالته الرمزية. غير أن محدودية أثر هذا التشويش تؤكد أن الشرعية في السياق المعاصر لا تُنتج بالضجيج، بل تُنتزع بالقدرة على الإنجاز الفعلي حين توضع الدول تحت الاختبار.
وفي عمق هذه الرؤية الشاملة، يتقاطع التفوق اللوجستي مع القضايا السيادية الكبرى، وفي مقدمتها قضية الوحدة الترابية. فالدولة التي تُحكم سيطرتها التنظيمية والوظيفية على مجالها الوطني، وتدمج مختلف جهاتها—بما فيها الأقاليم الجنوبية—في منظومات الربط والتنمية، لا تعلن سيادتها خطابًا، بل تمارسها واقعًا. إن تحويل هذه الأقاليم إلى مكونات فاعلة في المشروع الوطني يمنح الخطاب المغربي بعدًا عمليًا يجعل من الجغرافيا فضاءً للاندماج والوحدة، ويعزز موقع المملكة في أي نقاش إقليمي أو دولي حول السيادة والاستقرار.
وتبرهن تجربة كأس إفريقيا في المغرب، في نهاية المطاف، على أن التفوق اللوجستي لم يعد مجرد عنصر تقني، بل مؤشرًا مركزيًا على مكانة الدول في النظام الإقليمي والدولي. ففي سياق تتصاعد فيه المنافسة الرمزية، اختار المغرب ترسيخ حضوره عبر الفعل الهادئ والتراكم الاستراتيجي، مؤكدًا أن وزن الدول لا يُقاس بما تقوله عن نفسها، بل بما تنجزه حين تُختبر قدراتها المؤسساتية على أرض الواقع.
مشاركة المحتوى:



إرسال التعليق