لافارج او حين يتحول الارهاب إلى شريك قذر في سوق المصالح الدولية.
بقلم الحاج المعطي
حين تتحول سفارةٌ إلى غرفة تنسيق، وشركةٌ متعددة الجنسيات إلى خزنة تمويل، ويصبح الإرهاب مجرد “تفصيل لوجستي” في دفتر المصالح الفرنسية، فإننا لا نكون أمام فضيحة عابرة، بل أمام انهيار أخلاقي وسياسي مكتمل الأركان.
قضية “لافارج” لم تعد مجرد ملف قضائي عن شركة دفعت أموالاً لتنظيم داعش كي تحافظ على مصنع إسمنت في شمال سوريا. القضية انفجرت مجدداً لأن ما يتكشف اليوم أخطر بكثير، الحديث لم يعد عن مدراء جشعين فقط، بل عن شبهات تورط مباشر أو تغطية سياسية ودبلوماسية فرنسية، عبر سفارة باريس في دمشق آنذاك، لتسهيل مرور الصفقات والتنسيق مع التنظيمات المسلحة تحت ذريعة “حماية المصالح الفرنسية”.
لسنوات، حاولت باريس تقديم نفسها بوصفها حاملة لواء “حقوق الإنسان” و”الحرب على الإرهاب”. لكن الوقائع التي تراكمت في ملف لافارج تسحق هذا الخطاب سحقاً. فالقضاء الفرنسي نفسه أدان الشركة بتهمة تمويل الإرهاب بعد ثبوت دفع ملايين اليوروهات لتنظيم داعش وجماعات متطرفة أخرى كجماعة النصرة فرع تنظيم القاعدة بالشام بين 2013 و2014 وذلك لضمان استمرار تشغيل المصنع في الجلابية السورية.
الأخطر أن الوثائق والتسريبات التي ظهرت خلال السنوات الماضية، وأعيد إحياؤها اليوم مع التطورات القضائية الجديدة، تشير إلى أن أجهزة الدولة الفرنسية لم تكن بعيدة عن المشهد، بل كانت على علم بما يجري. وكالة الأناضول كانت قد نشرت منذ 2021 وثائق قالت إنها تثبت حصول عمليات التمويل بعلم الاستخبارات الفرنسية. واليوم، مع عودة القضية إلى الواجهة بعد الإدانة القضائية الأخيرة، يعود السؤال المرعب، من كان يعطي الضوء الأخضر؟
هل كانت السفارة الفرنسية في دمشق مجرد مراقب؟ أم أنها لعبت دور الوسيط الصامت الذي يبارك استمرار التعامل مع جماعات إرهابية ما دام ذلك يحفظ النفوذ الفرنسي والاستثمارات الفرنسية؟
ما تكشفه قضية لافارج هو الوجه الحقيقي لسياسة الكيل بمكيالين الغربية، حين يتعلق الأمر بالمصالح الاقتصادية، يصبح الإرهاب قابلاً ومقبولا للتفاوض. وحين تكون الأرباح بمئات الملايين، تتحول المبادئ إلى حبر رخيص في بيانات وزارة الخارجية.
شركة لافارج لم تكن جمعية خيرية ضلت طريقها في الحرب السورية. نحن أمام مؤسسة ضخمة قررت، بوعي كامل، دفع الأموال لجماعات متطرفة، وتأمين طرق النقل، والتعامل مع أمراء حرب، فقط كي تستمر آلات المصنع في الدوران. المحكمة الفرنسية نفسها اعتبرت أن هذه المدفوعات ساهمت عملياً في تمكين داعش من السيطرة على الموارد وتمويل عملياته الإرهابية داخل المنطقة وخارجها، بما في ذلك أوروبا.
لكن الفضيحة الأكبر ليست في جشع الشركة وحده، بل في صمت الدولة الفرنسية طوال كل هذه السنوات. كيف يمكن لأجهزة استخبارات وسفارة ودبلوماسية ناشطة في دمشق ألا تعرف بما كانت تفعله واحدة من أكبر الشركات الفرنسية في منطقة ملتهبة تعج بالتنظيمات المسلحة؟ كيف مرت التحويلات والاتصالات والصفقات والوساطات من دون غطاء سياسي أو أمني؟
الجواب الذي تخشاه باريس هو أن الدولة ربما لم تكن ضحية خداع من شركة خاصة، بل شريكاً بالصمت، أو بالتغاضي، أو حتى بالتسهيل غير المباشر.
إن إعادة فتح النقاش حول دور السفارة الفرنسية في دمشق لا تهدد صورة شركة فقط، بل تضرب السردية الفرنسية كاملة بشأن سوريا و”الحرب على الإرهاب”. لأن أي إثبات لتورط دبلوماسي أو استخباراتي في تمرير هذه الترتيبات يعني ببساطة أن فرنسا كانت، في لحظة ما، تتعايش مع الإرهاب الذي ادعت محاربته.
هذه ليست فضيحة مالية فقط. إنها فضيحة دولة.
وكلما حاولت باريس دفن الملف تحت ركام الإجراءات القضائية الطويلة، عادت الوثائق والتسريبات لتقول الحقيقة نفسها، داعش لم يكن دائماً عدواً مطلقاً لدى الجميع، بل تحول أحياناً إلى شريك قذر في سوق المصالح الدولية.
وفي النهاية، فإن أخطر ما في قضية لافارج ليس ما نعرفه… بل ما لم يُكشف بعد.
مشاركة المحتوى:



إرسال التعليق