العزوف الانتخابي وفقدان الثقة في غالبية السياسيين.
بقلم الاستاذ رشيد لزرق
ارتفاع مستوى العزوف الانتخابي واستمرار اعتماد عدد من الأحزاب، وخاصة أحزاب الأغلبية، على الأعيان وشبكات النفوذ المحلي قد يؤدي إلى إضعاف الطابع السياسي والتنافسي للانتخابات المقبلة، وتحويلها جزئيا من منافسة بين برامج ومشاريع مجتمعية إلى منافسة تقوم على الموارد الانتخابية والعلاقات المحلية والقدرة على تعبئة الناخبين. وفي مثل هذا السياق، يصبح التصويت العقابي أقل وضوحا مما تفترضه النظريات التقليدية للسلوك الانتخابي، لأن الناخب الذي يشعر بعدم الرضا عن الأداء الحكومي قد لا يتجه بالضرورة إلى التصويت لصالح المعارضة، بل قد يختار الامتناع عن التصويت، وهو ما يمكن أن تستفيد منه القوى الأكثر قدرة على تعبئة قواعد انتخابية ثابتة ومنظمة.
لذلك يصعب الجزم منذ الآن بأن الناخبين سيعاقبون أحزاب الأغلبية بسبب تدبير ملفات حساسة مثل التشغيل والصحة والتعليم والقدرة الشرائية، كما يصعب افتراض أنهم سيمنحونها فرصة جديدة. الحسم سيتوقف على قدرة الأحزاب على إعادة تسييس الاستحقاق الانتخابي، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتقديم بدائل قابلة للتصديق. فإذا طغى العزوف وضعفت المشاركة السياسية، فقد لا تعكس النتائج الحجم الحقيقي لعدم الرضا الاجتماعي؛ أما إذا ارتفعت المشاركة وتحولت القضايا الاجتماعية والاقتصادية إلى محدد أساسي للاختيار الانتخابي، فإن إمكانية التصويت العقابي تصبح أكبر.
والخلاصة السياسية الأكثر دلالة هي أن الخطر الحقيقي لا يتمثل فقط في احتمال استمرار أحزاب الأغلبية رغم حصيلة حكومية مثيرة للجدل، بل في إمكانية أن تتحول الانتخابات نفسها إلى آلية لإعادة إنتاج موازين القوى القائمة أكثر من كونها لحظة للمحاسبة الديمقراطية. فعندما يكون الامتناع عن التصويت أوسع من القدرة على التعبير السياسي، وحين تصبح قوة الأعيان وشبكات المصالح أكثر تأثيرا من البرامج والاختيارات العمومية، فإن صناديق الاقتراع قد تكافئ الأكثر تنظيما لا الأكثر إقناعا، والأكثر قدرة على التعبئة لا الأكثر نجاحا في الحكم. عندها يصبح السؤال الحقيقي ليس: هل سيعاقب الناخبون الأغلبية؟ بل: هل تسمح بنية المنافسة الانتخابية أصلا بتحويل السخط الاجتماعي إلى عقاب سياسي فعلي؟ وإذا كانت الإجابة بالنفي، فإن المشكلة تتجاوز مصير حكومة أو أحزاب بعينها، وتمس جوهر الوظيفة الديمقراطية للانتخابات نفسها.
مشاركة المحتوى:



إرسال التعليق