جاري التحميل الآن
×

إعفاء واليي مراكش وفاس كطقس رمزي… كيف تحافظ الدولة على هيبتها؟

إعفاء واليي مراكش وفاس كطقس رمزي… كيف تحافظ الدولة على هيبتها؟

“تعتبر النظم الرمزية الوسائل الأساسية للاتصال حيث أنها تضمن تحقيق التكامل الاجتماعي داخل النظام الإجتماعي “
بارسونز تالكوت “النظام الإجتماعي.

شهد هذا الاسبوع أحداث هامة على المستوى الدولي أهمها الحرب الإسرائيلية الإيرانية ومن الأكيد سيكون لها تأثير ليس على مستوى الشرق الأوسط بل على مستوى الساحة الدولية.

ومن منطلق التزامي بالشأن الوطني، لا أحد يختلف أن أهم حدث عرفته الساحة الوطنية هو حدث إعفاء واليي كل جهة فاس و جهة مراكش، بعيدا عن القراءة الشرعية لجمهور السنة الذين هم على دراية تامة بكون الواجب مقدم على المندوب المستحب كما أن الفرض مقدم على السنة، سنحاول هنا النظر إلى الإعفاء ليس من المنظار الشرعي، بل سنحاول قراءته من خلال منظار العلوم الإجتماعية، باعتباره ليس عقابا اداريا فحسب، بل كونه نوع من العقاب الطقوسي و الرمزي باعتباره رسالة موجهة إلى الجميع بكون أن الخروج عن الطقس هو خروج عن النظام ككل، إن أن الإعفاء هنا هو نفسه طقسا فرعيا يعزز الطقس الرئيسي المرتبط بشعيرة ذبح أضحية العيد للملك /أمير المؤمنين نيابة عن الشعب / الأمة، بحيث أن الطقس في حد ذاته أداة أيضا لإدارة المشاعر الجمعية للشعب، فالطقس أو البروتوكول ليس مجرد قواعد وانتهى الأمر، أنه تكريس نفسي واجتماعي لشرعية السلطة، إن الفصل 41 من الدستور الذي يكرس مكانة جلالة “الملك، أمير للمؤمنين وحامي حمى الملة والدين والضامن لممارسة الشؤون الدينية” يتحول من خلال تفعيله إلى إطار عملي يوجه السلوك ويضبط العلاقة بين المركز والمحيط بين الملك والشعب، ذبح الأضحية على المستوى المركزي هو طقس جمعي يعزز التضامن الميكانيكي للمجتمع، أن مؤسسة إمارة المؤمنين هنا من خلال ممارسة الشعيرة بشكل واحد و متوحد بين الشعب والملك هو آلية لتقوية التضامن وكان من الضروري للحفاظ على التماسك الاجتماعي محاسبة كل تمرد رمزي بالشكل الذي يحافظ على الحزم الرسمي، أنه بهذا المعنى رسالة صارمة حول حدود المسموح به في أطراف الدولة، إذ أن الخروج عن الطقس الموحد هو مساس بشرعية النظام برمته، خصوصا لما يرتبط بالدلالة التاريخية لمدينتي فاس ومكناس وما لهما من رمزية للسلطة الدينية والسياسية في الإمبراطورية المغربية، إن إجراء الإعفاء يحمل دلالات عميقة في هندسة الفضاء الرمزي للسلطة.

الاعفاء هو ليس عقابا اداريا فحسب إنه يتجاوز ذلك إلى كونه عرض رمزي موجه للجمهور الديني و السياسي، هذا اذا استحضرنا أيضا طريقة التعاطي الإداري مع الإعفاء والسرعة في التعويض وملئ المقعد الولائي في إطار استمرارية الدولة، انها كلها حيثيات ورسائل يمكن قرائتها وتحليلها ، أن الاعفاء هنا ليس عقابا فحسب بل هو درس عملي في ترابية السلطة وحدود الاجتهاد في التعاطي مع الطقوس والبروتوكول.

إن إعفاء الواليين ليس إعفاء لرأس الجهة على مستوى الإدارة الترابية، بل هو تقديم لضحايا “طقوسيين” تعيد من خلالها الدولة التوازن للجماعة وتوجيها سواء عن طريق الذبح المركزي أو عن طريق إعفاء الواليين، إن كلا الحديثين حلقة لنفس المضمون الذي يتم خلاله رسم حدود المجتمع السياسي.

فإذا كانت شرعية الملكية في المغرب تجمع بين الشرعية التاريخية و الدينية والدستورية ، فإنها هنا تجمع بين الشرعية الكارزمية و التقليدية، بحيث أن الذبح المركزي ليس تفعيل لواجب شرعي، بل هو فعل يعزز هذه الشرعية الدينية، بالتالي خرقها ليس عصيانا اداريا، بل مساسا بالهالة الكارزمية التي تكرس كون الملك أميرا للمؤمنين قبل أن يكون ملكا بصفته السياسية، فالاعفاء هنا هو حماية لهذه الشرعية وتأكيد عليها بل وتأكيد على الشرعية المزدوجة التي تقوم عليها للملكية المغربية.

إن السلطة التأديبية لهذا الاعفاء لم تكن موجهة للمعنيين مباشرة بل كان رسالة موجهة لكل الحقل البيروقراطي، إن القرار باعتباره آلية تأديبية يذكر الجميع بحدود السلطة وضوابطها، بحيث أن الإهابة الملكية هنا ليس اهابة شرعية أو تعليمات إدارية من رئيس الدولة إن هذه الإهابة هي معيار أخلاقي ملزم يتم من خلالها استبطان الضوابط والحدود بين الملك والشعب.

إن الذبح أو الإعفاء لا يمكن قرائتهم بشكل منفصل بل هما يدخلان في سلسلة واحدة من الأداءات الرمزية التي تعيد إنتاج الشرعية، إن الفصل 41 من الدستور ليس مجرد مرجعية قانونية، بل هو عقد اجتماعي حي يعاد تأكيده وتجديده عبر الممارسات اليومية.

إن هذا الحدث يتم الكشف من خلاله عن الآليات التي يتم من خلالها الطقوس أو البروتوكول إلى أدوات سياسية تنتج السلطة من خلالها شرعيتها عبر السيطرة على الرمز، أن الأمر يتجاوز قضية خطأ تم بعده إقالة موظف سامي، بل هو تفاعل بين المقدس والسياسي بين التقليد والتحديث بين المركز والمحيط في المملكة حيث تتشابك هذه المجالات و تتداخل، حيث أن دلالاتها تتجاوز ماهو ظاهر الى استبطان تعاطي الدولة مع الطقوس والرموز البروتوكول.

و بالتالي أي قراءة من خلال ثنائية التجديد / والثراث، الأصالة / المعاصرة، القادمة /الحداثة قراءة قاصرة في فهم حدث الإعفاء.

مشاركة المحتوى:

إرسال التعليق

المزيد