طوطو.. عندما يتحول فن الراب إلى تفاهة في عصر الخراب الرقمي.
قلم المرسول مع الأستاذ عبد المنعم الكزان
لا أحد يختلف أن لكل جيل موسيقاه وفنه وتمرده، نحن الذي عشنا بدايات موازين وقبله مهرجان الرباط، جيل بدأ يتعرف على الراب المغربي من خلال (اشكاين،فناير، مسلم، بيغ، الديدي دروس) وهي على العموم مدارس مختلفة بين الكلاسيكي والذهبي. الإتجاه نحو الاستهلاكي ، والتي جاءت بعد مرحلة من المد لموسيقى الراي، إضافة الى التأثر بموسيقى الفانك والروك والبلوز، نرى أنفسنا أصبحنا بعيدين كل البعد عن الذوق الفني لجيل اليوم، لكن رغم ذلك فإننا نميز بين ما يحق لنا سماعه كخصوصية فردية و الفصل بين الكلمة ككلمة، والموسيقى موسيقى، دون أدنى خلط بين الفضاء العام والفضاء الخاص، ودون أدنى خلط بين أسئلة التمرد!! و أسئلة التربية!! أسئلة الإحتجاج!! و أسئلة الأخلاق!!!
صحيح أن خصوصية الراب تتجلى في كونه فن مرتبط بالكلام اعتمادا على المدرسة الكلاسيكية Old School بعتبارها تعبير عن تجربة للذات الفردية في صيرورتها أولا، وثانيا في إطار تفاعلاتها مع الدولة والمجتمع، نعم يجب أن نعترف أيضا أن رواد فن الراب في المغرب بحكم ربما عامل النضج أصبحوا يحاولون تشجيع بعض المواهب التي تحمل رسائل فنية وهذا الأمر يجب أن نثمنه ونشجعه حتى يتم تنقيح وتطوير الراب وهو أمر لا يختلف عن موجة التطور والتنقيح الذي أصبح يعرفه الرأب الأمريكي على كل حال و التحول من الطابع البذيئ والجارح .
عندما وقف “طوطو” على منصة مهرجان السويسي كأول مغربي يقف على هذه المنصة منذ اطلاق مهرجان موازين ، لابد على المتتبعون أن يطرح السؤال لماذا هذا “الطوطو”!!
الملاحظ في ” طوطو” كظاهرة ثقافية قبل أن يكون شخصا، أنه إختزال لتناقضات بنيوية لجيل بكامله ، عشرات الآلاف من الشباب، بين المحجبة و العارية، الفقير والغني ، المقهور و الإقطاعي ، اجتمعوا جميعا ليقدموا طقس الولاء والإحتفاء بنظام التفاهة المعلبة، في مشهد يشكل تشريحا للإنهيار الثقافي الممنهج، حيث تحول التمرد كفعل تحرري إلى سلعة تباع في سوق الفرجة.
“طوطو” ليس يصدح على منصة السويسي، بل هو مرآة تعكس أزمة الذوق العام في زمن السوشيال ميديا، كلماته التي تتراوح بين السخرية المفرطة والوقاحة والبذاءة المتعمدة لم تصل إلى الجمهور مصادفة، لقد دفعت بها الخوارزميات الرقمية دفعا لأنها تعرف كيف تحول حتى أكثر الأقوال و الأفعال والمواقف التفاهة إلى “ترند” تدر الملايين، فالمنتجيين لم يكتفوا بتسويق طوطو بل حولوه إلى علامة تجارية حتى أصبحت التذكرة الذهبية لولوج سهرة “طوطو” إلى فخر وطموح جيل بكامله الذي أصبحت عنده القيمة الجمالية للفن تقاس بعدد “الايكات” بدل العمق الفكري أو الرسالة الإنسانية التي يحملها.
ما يولم أكثر هو الجمهور نفسه حيث أن الشباب الذين هرعوا إلى السويسي لم يأتوا بحثا عن فن يحرك الضمير، بل عن التخدير الجماعي المؤقت والإستقالة المؤقتة عن أي مسؤولية اجتماعية ، في زمن انسداد الأفق السياسي و الإجتماعي، ليصبح طوطو بذلك قسيس صكوك الوهم بالتحررعبر كلمات فارغة تكرس الوضع القائم، المحجبة ترفع سبابتها الوسطى كما الفتاة العارية، وكل يرقص على ركضا الهاوية، حيث لا وجود لأي تمرد بل إلى استسلام عام لثقافة الإستهلاك الذي حول كل شيئ إلى سلعة تباع وتشترى حتى التمرد نفسه والإحتجاج بل وحتى الموت و الشنق و الاحتجاز أصبح سلعة تحتسب بنسبة المشاهدات.
في غياب أي خطاب ثقافي سياسي حقيقي يمكن أن يكون حارسا لقيم الحداثة والحرية وقادر على إنتاج تعبير فني يواكب المرحلة، لتتحول لحظة طوطو إلى لحظة للفرجة وضياع المعنى إعلان عن الهزيمة المدوية للمشروع الثقافي المغربي.
الوزارة الوصية و المؤسسات الشريكة في تنشيط الشأن الثقافي، فبدلا من مواجهة هذا الخواء والفراغ باعتماد خطة بديلة لمحاصرة هذه الظاهرة، تماهت بشكل مطلق حتى أصبحت جزءا من نظام التفاهة، كإمتداد لمدرسة وجامعة لا تقوم بأي مجهود للتربية على النقد وتحسين الذوق الفني والجمالي، مؤسسات تربوية وثقافية لا تلامس الواقع الملموس للمجتمع، السلطة الرابعة بنفسها ساهمت في تسطيح هذه الظواهر وتضخيمها دون أن تقدم أي مجهود للنقاش العمومي حولها وكأنها موجهة لمحاصرة شيئ ما لكن في الحقيقة لا تحاصر إلا الفراغ دون أي مجهود يذكر.
على الستار، تشتغل البيوتونات الإجتماعية(Botnet Social) التي تصنع وهم الشعبية، خوارزميات اليوتوب التي تروج المحتوى الأكثر جدلا و إثارة بغض النظر عن قيمته وطبيعته، خدمة لشركة الإعلانات التي تبحث عن مثل هذه المنتجات الرقمية لتشكل حاملا للإشهارات قصد تحقيق الأرباح، إن “طوطو” هو انتصار كاسح للرأسمالية السائلة في بعدها الرقمي المتوحش.
بعيدا عن منطق التكفير ومحاكم التفتيش، لابد أن نطرح سؤال كيف يمكن انقاذ الشأن الثقافي عموما والفن المغربي من السقوط في الخواء ؟ في تقديري يجب الإنطلاق من المدرسة من خلال التربية على الذوق الفني والجمالي، أن تعود الأسرة بعد استقالتها من دورها التربوي، على المؤسسات الثقافية والإعلام أن تشجع الفن الهادف وليس التماهي مع(Botnet Social ) على المثقف أن يقوم بدوره العلاجي من مرض غياب المشروع الثقافي الوطني الذي يشكل “طوطو” فقط أحد أعراضه.
“طوطو” هو جرس إنذار إستقالة جيل بكامله جيل “ملاعبينش” جيل مستقيل من دوره كمحرك للبناء والتغيير جيل الهروب إلى التفاهة و العزلة والتوحد والرقميين التي يعتبرونها شكل من أشكال المقاومة والتغيير بشكل متوهم، فهل سنستيقظ أم أن طوطو هو إعلان عن بداية النهاية و الإنهيار.
مشاركة المحتوى:



إرسال التعليق