جاري التحميل الآن
×

لطيفة احرار: عندما تُزكّى الخروقات من فوق المنبر و الوزير الذي يبرر ما لا يُبرَّر

لطيفة احرار: عندما تُزكّى الخروقات من فوق المنبر و الوزير الذي يبرر ما لا يُبرَّر

تزكية في منصب أستاذة جامعية تثير الجدل وتحرك السلطة التشريعية لمساءلة وزير الثقافة بعد حصول مديرة معهد الفن المسرحي على منصب أستاذة جامعية خارج المساطر القانونية.

وكانت مداخلة وزير الثقافة تحت قبة البرلمان قد أثارت جدلاً واسعًا بعد أن زكّى، في ردّه على سؤال شفوي، وضعية مثيرة تتعلق بتمكين مديرة معهد الفن المسرحي من منصب أستاذة جامعية، رغم أن تعيينها تم خارج ما ينص عليه ظهير 1958 المنظم للوظيفة العمومية، وخارج الإطار الإداري القانوني المعتمد في التوظيف الجامعي.

فالسيدة المعنية حصلت — وفق المعطيات المتوفرة — على المنصب الأكاديمي رغم إلغاء المناصب المحوّلة ورغم انها تجاوزت السن القانونية للتوظيف، ودون أن تتقدّم باستقالتها من مهامها الإدارية. ما يعني أنها جمعت بين وظيفتين متنافيتين قانونًا، في خرق واضح لمبدأ التفرغ المهني الذي يمنع الجمع بين مسؤولية إدارية وأخرى أكاديمية داخل القطاع العمومي، فمن خلق المنصب استثناء ؟ و لماذا للطيفة أحرار ؟

الوزير الذي بدأ مرتبكا بعيدا عن المساطر الإدارية و جاهلا للقانون الإداري عوض أن يعلن عن فتح تحقيق إداري في هذه الحالة، فضّل الدفاع عن الوضعية وتبريرها بعبارات عامة، في ما يشبه تزكية رسمية لخرق إداري صريح. هذا الموقف فُهم على نطاق واسع باعتباره إشارة إلى أن من يملك “الحظوة الإدارية” يمكنه تجاوز القانون دون خوف من المساءلة حتى و إن كانت من السلطة التشريعية.

القضية، التي تتجاوز شخص المعنية، تطرح بحدة سؤال الشفافية وتكافؤ الفرص في تدبير المناصب العمومية.

فكيف يُحدث منصب جديد في مؤسسة جامعية بعد إلغاء المناصب المحوّلة؟ ومن منح الضوء الأخضر لهذا “الاستثناء الإداري”؟ ثم ما جدوى النصوص القانونية إذا كانت تُعلَّق في وجه البعض وتُطوى أمام البعض الآخر؟

هذه الممارسات لا تسيء إلى الإدارة فحسب، بل إلى صورة الحكومة نفسها التي ترفع شعار الإصلاح الحكامة الجيدة وخدمة المواطنين، فحين يُصبح التبرير بدل المحاسبة هو القاعدة، تُفرَّغ مؤسسات الرقابة من مضمونها، ويتحول البرلمان من فضاء للمساءلة إلى منبرٍ لتلميع الأخطاء.

الواقعة لها انعكاسات سيلسية وأخلاقية و تداعياتها تجاوزت بعدها الإداري إلى البعد الأخلاقي والسياسي. فالمواطن الذي يُطالَب يوميًا بالامتثال للقوانين لا يمكن أن يثق في مؤسساتٍ تُمارس الانتقائية في تطبيقها.

إن أخطر ما في الأمر ليس الخرق ذاته، بل الرسالة التي بعثها وزير الثقافة و التي مفادها أن الولاء ما زال أقوى من الكفاءة، وأن القانون يمكن ليّه متى اقتضت الضرورة.

وإذا ارادت الحكومة ان تكون جادّة ولو في لحظاتها الأخيرة ، فإن أول خطوة هي فتح تحقيق شفاف ومسؤول في هذه القضية، لا لمحاسبة الأشخاص فقط، بل لحماية هيبة القانون نفسه.

فالدولة لا يمكنها أن تتسامح مع الخروقات، ولو باسم “الاستثناء”، و لا تُغامر بأثمن ما تملك: ثقة مواطنيها.

مشاركة المحتوى:

إرسال التعليق

المزيد