نقد الفكر الأصولي المتشدد: دعوة إلى الاعتدال والرجوع إلى العلماء الصادقين.
حديث الروح والجسد مع الباحث ياسين لملس
في خضمّ ما يشهده العالم الإسلامي من تحوّلات فكرية وتحديات أمنية، يبرز من جديد خطر الفكر الأصولي المتشدد الذي جعل من الدين ساحة للصراع بدل أن يكون رسالة للسلام والتعارف. وقد اتّضح عبر العقود الأخيرة أن المدرسة الوهابية كانت المنبع الأبرز لفكر الغلو والتكفير، من خلال قراءتها المنغلقة للنصوص الدينية وتوسّعها في إطلاق أحكام الكفر على المسلمين أنفسهم، بما يخالف مقاصد الشريعة وروح الإسلام السمحة.
لقد أنتجت تلك المدرسة جملة من الفتاوى المتطرفة التي أُسيء بها إلى الدين، وأدت إلى ظهور جماعات حملت السلاح باسم “التوحيد” وهي في الحقيقة تمارس أبشع صور الانحراف عن مقاصد الإسلام. ومن تلك الفتاوى ما أجاز استباحة دماء المسلمين وممتلكاتهم، أو الحكم على المجتمعات الإسلامية بالردة لمجرد اختلاف في الفهم أو في أسلوب الحكم.
وهكذا تحولت النصوص الشرعية إلى أدوات في يد الغلاة، بعدما أُفرغت من بعدها المقاصدي الإنساني، وتحوّل “التدين” عندهم إلى مظاهر من التشدد والقطيعة.
إن مواجهة هذا الفكر المنحرف لا تكون إلا عبر الرجوع إلى العلماء الصادقين الذين يجمعون بين العلم والورع، ويغذّون فكر الأمة بروح الوسطية والاعتدال. فالإسلام لم يكن يومًا دعوة للعنف أو الإقصاء، بل مشروعًا حضاريًا يقوم على الرحمة والعدل والتعاون بين البشر.
إن إعادة الاعتبار للمنهج الوسطي المعتدل هي الضمانة الحقيقية لتحصين المجتمعات من فكر التكفير والغلو، واستعادة الدين لصورته المشرقة التي تُنير العقول وتُهذب النفوس.
إن الخروج من دوّامة الغلو والتكفير يمر أولًا عبر نشر الفهم المعتدل للإسلام القائم على الكتاب والسنة كما فهمهما العلماء الراسخون، بعيدًا عن التأويلات المتشددة والانغلاق المذهبي. ويقتضي ذلك إحياء دور المدارس الفقهية العريقة التي شكّلت على مرّ التاريخ حصنًا منيعًا ضد التطرف، مثل جامعة القرويين في المغرب، والأزهر الشريف في مصر، وجامعة الزيتونة في تونس، وغيرها من المؤسسات التي جمعت بين الأصالة والاجتهاد، وقدّمت للعالم نموذجًا في الوسطية والعقلانية.
كما أن فتح الحوار الجاد مع المعتقلين على خلفية قضايا التطرف داخل السجون يعد خطوة أساسية في سبيل الإصلاح، إذ أثبتت التجارب أن كثيرًا من هؤلاء الشباب كانوا ضحية فكر منحرف وتوجيه خاطئ. ومن ثمّ فإن إدماجهم بعد الإفراج واحتواؤهم اجتماعيًا ومهنيًا، يشكّل ركيزة أساسية لتحصين المجتمع من عودة الفكر المتشدد.
إن الحل لا يكمن في المواجهة الأمنية وحدها، بل في المعركة الفكرية والتربوية التي تعيد للإسلام توازنه، وللعقل المسلم وعيه وانفتاحه. فبالعلم والحوار والقدوة الصالحة نستطيع أن نعيد للدين صفاؤه وللمجتمع أمنه واستقراره في إطار اسلام الرحمة والإعتدال الذي أراده الله لعباده.
مشاركة المحتوى:

إرسال التعليق