التأمل في خلق الله.. عبادة تُحيي القلوب وتُرسّخ الإيمان
حديث الروح والجسد مع الباحث ياسين لملس
في زمن تتسارع فيه وتيرة الحياة وتتشابك فيه الانشغالات، يغفل كثير من الناس عن عبادة عظيمة لا تحتاج إلى مال ولا جهد بدني، وإنما تحتاج إلى قلب حاضر وعقل متدبر، إنها عبادة التأمل في خلق الله، التي تعد من أسمى العبادات الفكرية والإيمانية، لما لها من أثر بالغ في تقوية اليقين وترسيخ الإيمان بالله تعالى.
لقد دعا القرآن الكريم في مواضع عديدة إلى النظر في الكون والتفكر في مظاهر الإبداع الإلهي، فقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾، كما قال سبحانه: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾. وهذه الآيات تؤكد أن التأمل في الكون ليس مجرد نشاط ذهني، بل طريق إلى معرفة الخالق وتعظيمه.
فعندما يتأمل الإنسان في اتساع السماء، ودقة حركة الكواكب، وتعاقب الليل والنهار، ونظام الفصول، وإعجاز تكوين الإنسان والحيوان والنبات، يدرك أن هذا الكون البديع لا يمكن أن يكون وليد الصدفة، وإنما هو من صنع خالق حكيم عليم، قال تعالى: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾.
ومن ثمار هذه العبادة أنها تزيد المؤمن خشوعًا، وتملأ قلبه يقينًا بعظمة الله وقدرته ورحمته، كما تغرس فيه التواضع، إذ يدرك ضآلة الإنسان أمام هذا الكون الفسيح، فيزداد افتقارًا إلى ربه، ويبتعد عن الغرور والتكبر.
كما أن التأمل يبعث الطمأنينة في النفس، ويخفف من ضغوط الحياة، لأن القلب عندما يستحضر حكمة الله في خلقه وتدبيره يوقن أن كل شيء يجري وفق تقدير إلهي محكم، فيزداد رضا وتسليمًا، ويستمد قوة على مواجهة الابتلاءات.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته رضوان الله عليهم يعيشون هذه العبادة بعمق، فكانوا يقفون عند آيات الكون متفكرين، ويزدادون بها إيمانًا وخشية، ولذلك كان التفكر وسيلة عملية لتجديد الإيمان وتقوية الصلة بالله.
غير أن الإسلام يفرق بين التفكر في خلق الله، وهو عبادة مأمور بها، وبين التفكر في ذات الله وكيفيتها، وهو أمر لا يحيط به العقل البشري، لأن الله سبحانه وتعالى أعظم من أن تدركه العقول أو تحيط بحقيقته.
إن عالم اليوم، رغم ما بلغه من تقدم علمي وتقني، ما يزال يكتشف في كل يوم أسرارًا جديدة في الكون، وكل اكتشاف صادق يزيد المؤمن يقينًا بعظمة الخالق وإحكام صنعه، ويؤكد أن العلم الصحيح لا يتعارض مع الإيمان، بل يقود إليه ويعززه.
إننا في حاجة إلى إحياء ثقافة التأمل في بيوتنا ومدارسنا ومساجدنا، وتعويد الأجيال على قراءة كتاب الله المنظور، وهو الكون، إلى جانب قراءة كتابه المسطور، وهو القرآن الكريم. فباجتماع العلم والإيمان، والتفكر والتدبر، تُبنى شخصية المؤمن الواعي، ويترسخ الإيمان في القلب على بصيرة ويقين.
فالتأمل في خلق الله ليس ترفًا فكريًا، بل عبادة عظيمة، ومدرسة إيمانية متجددة، تجعل الإنسان أكثر معرفة بربه، وأكثر شكرًا لنعمه، وأكثر يقينًا بأن لهذا الكون ربًا عظيمًا لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.
مشاركة المحتوى:
إرسال التعليق