بين انتقاد الإضراب وتجاهل أسباب الانتفاضة المهنية: تعقيب على تدوينة الأستاذ مصطفى الرميد
بقلم الأستاذ نوفل الشرقاوي: دكتور في الحقوق – محام بهيئة المحامين بالرباط
أطل علينا وزير العدل والحريات الأسبق، والزميل بهيئة الدار البيضاء، الأستاذ مصطفى الرميد، بتدوينة ينتقد فيها استمرار جميع الزميلات والزملاء في الحركة الاحتجاجية والإضراب المفتوح الذي تخوضه المحاماة دفاعاً عن استقلالها ومكتسباتها، وذلك بعد صدور القانون الجديد المنظم للمهنة ونشره في الجريدة الرسمية.
وقد اختار الأستاذ الرميد أن يبني جانباً مهماً من موقفه على التشكيك في جدوى استمرار الإضراب، وعلى اعتبار المرحلة الحالية زمناً ميتاً تشريعياً، فضلاً عن استناده إلى مقتضيات قانونية يرى أنها تجعل التوقف الجماعي للمحامين مخالفاً للقانون، وصولاً إلى اعتبار قرارات الهيئات الداعية إلى الإضراب، ما دامت في تقديره مخالفة للقوانين، «هي والعدم سواء».
وبقدر ما نحترم حق الأستاذ الرميد في إبداء رأيه، وبقدر ما نتفق معه في ضرورة أن يظل النقاش بين المحامين محكوماً بأخلاقيات المهنة وبالاحترام الواجب للزمالة، فإن مضمون تدوينته يثير جملة من الملاحظات القانونية التي لا يمكن تجاوزها، خاصة وأن الأمر لا يتعلق بمجرد خلاف حول وسيلة احتجاج، بل بقانون جديد يرى فيه الجسم المهني تراجعات خطيرة تمس مكتسبات تاريخية واستقلال المحاماة وضمانات الدفاع.
فالاختلاف هنا ليس مع شخص وزير العدل والحريات السابق، ولا مع حقه في تقدير جدوى الإضراب بالطريقة التي يراها، وإنما مع المنهج القانوني الذي يؤدي إلى اختزال أزمة مهنية وتشريعية عميقة في سؤال واحد: لماذا يستمر المحامون في الإضراب؟
والسؤال الذي ينبغي أن يسبق ذلك، في تقديري، هو: ما الذي جاء به القانون الجديد حتى دفع المحاماة إلى هذا المستوى من الاحتقان والتعبئة ووحدة الصف؟
فلا يمكن مناقشة وسيلة الاحتجاج بمعزل عن أسبابها، ولا يمكن مطالبة المحامين بالتراجع قبل مساءلة التراجعات التي مست المهنة نفسها.
فالقول بأن استمرار الإضراب بعد استكمال القانون للمسطرة التشريعية وصدور الظهير ونشره في الجريدة الرسمية، وفي ظرف انتخابي يوصف بالزمن الميت تشريعياً، أصبح إضراباً لا معنى له، يمكن تفهمه باعتباره تقديراً سياسياً أو مهنياً لجدوى الاحتجاج، لكنه لا يصلح في حد ذاته نتيجة قانونية.
فصدور القانون ونشره يؤديان إلى دخوله حيز النفاذ وفق الشروط المقررة قانوناً، لكنهما لا يحولانه إلى نص غير قابل للنقد أو التعديل أو المطالبة بمراجعته.
فالقوانين ليست نصوصاً مقدسة، والجريدة الرسمية لا تغلق باب النقاش الديمقراطي حولها، ولا توجد قاعدة دستورية تجعل الاحتجاج مشروعاً عندما يكون النص مشروع قانون، ثم تجرده من المشروعية بمجرد نشره.
بل إن تاريخ التشريع نفسه قائم على قوانين صدرت ودخلت حيز التنفيذ ثم أظهرت الممارسة اختلالاتها أو تغيرت الظروف المحيطة بها، فجرى تعديلها أو نسخها. ومن ثم، يجب التمييز بين نفاذ القانون من جهة، ومشروعية المطالبة بتعديله من جهة أخرى، مثلما يجب التمييز بين عدم جدوى الإضراب، إن صح هذا التقدير، وبين عدم مشروعيته. فقد تكون وسيلة الاحتجاج غير مناسبة في نظر البعض من الناحية التكتيكية، لكنها لا تصبح بسبب ذلك مخالفة للقانون.
غير أن التركيز على وسيلة الاحتجاج وحدها يجعلنا نخاطر بقلب ترتيب الأسباب والنتائج. فالإضراب لم ينشأ من فراغ، ولم يستيقظ المحامون في يوم واحد ليقرروا التوقف عن العمل وإلحاق الضرر بمصالحهم ومكاتبهم وموكليهم دون سبب. لقد سبقه مسار تشريعي طويل، ومشروع قانون أثار منذ بدايته اعتراضات قوية داخل الجسم المهني، ومفاوضات ومواقف واحتجاجات سبقت صدور النص النهائي.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي: هل زالت الأسباب الجوهرية التي دفعت المحامين إلى الاحتجاج؟
وهنا تحديداً لا أعتقد أن وصف ما بقي في القانون بأنه مجرد «اختلالات عديدة تتطلب التعديل والإصلاح» يعكس حقيقة الخلاف القائم. فالاختلال التشريعي شيء، والتراجع التشريعي عن مكتسب مهني شيء آخر. الاختلال قد يتعلق بسوء صياغة أو غموض أو تناقض يحتاج إلى التصحيح، أما الانتكاسة فتتحقق عندما تصبح ضمانة كانت قائمة أضعف مما كانت عليه، أو يتقلص مجال التنظيم الذاتي للمهنة، أو تتسع القيود المفروضة على المحامي، أو يختل التوازن بين مقتضيات التنظيم ومتطلبات الاستقلال.
والمحاماة لا يمكن النظر إليها باعتبارها نشاطاً اقتصادياً عادياً. فاستقلال المحامي ليس امتيازاً شخصياً، وحصانة الدفاع ليست امتيازاً للمحامي، والتنظيم الذاتي للهيئات ليس امتيازاً مؤسساتياً، وإنما هي جميعاً ضمانات تنتهي في جوهرها إلى حماية المتقاضي وحقه في دفاع حر ومستقل.
ومن هذه الزاوية أيضاً، لا يبدو لي من الدقة قراءة الحركة الاحتجاجية بمنطق موازين القوى وحده. فالمحامون ليسوا أجراء لدى وزارة العدل، والحكومة ليست مشغلهم، وهم لا يطالبون بزيادة في الأجور أو بمنحة مالية أو بتحسين شروط عقد شغل. إنهم يحتجون على القانون الذي سيحدد مستقبل مهنتهم ومجال استقلالهم وتنظيمهم الذاتي وعلاقتهم بالقضاء والدولة والمتقاضين لسنوات وربما لعقود.
ولذلك فإن القول إن الحكومة لن تتضرر من الإضراب، وإن المتضررين الحقيقيين هم المحامون وموكلوهم، قد تكون له وجاهته من زاوية عملية، لكنه لا يحسم مشروعية الحركة ولا جوهرها. فهناك معارك مهنية لا تقاس فقط بقدرتها على إلحاق الضرر بالطرف الآخر، وإنما كذلك بما تسجله من موقف تاريخي رافض لتحويل التراجع إلى أمر واقع يصبح بمرور الزمن مكتسباً لا يناقش.
ثم إن النقاش القانوني نفسه لا يمكن أن يتجاوز حقيقة أن الفصل 29 من الدستور ينص صراحة على أن «حق الإضراب مضمون. ويحدد قانون تنظيمي شروط وكيفيات ممارسته». كما أن القضاء الدستوري المغربي، عند فحص القانون التنظيمي المتعلق بممارسة حق الإضراب، لم يحصر هذا الحق في الأجراء وحدهم، وإنما امتدت الحماية التي ناقشها إلى المهنيين.
والمحامي، بطبيعته القانونية، مهني يمارس مهنة حرة ومستقلة. ومن هنا يصبح السؤال أكثر تعقيداً من مجرد الاستناد إلى مادة في قانون المهنة للقول بعدم قانونية التوقف الجماعي. فالدستور يضمن الحق، والقانون التنظيمي يحدد شروط وكيفيات ممارسته، والقيود المفروضة على الحقوق والحريات لا ينبغي أن تبلغ حداً يجرد الحق من جوهره، بل يجب أن تبقى مبررة وضرورية ومتناسبة مع الغاية المشروعة منها.
ومن هنا أصل إلى المادة 50 من القانون الجديد، التي استند إليها الأستاذ الرميد باعتبارها تمنع المحامين من الاتفاق فيما بينهم على التوقف الكلي عن تقديم المساعدة الواجبة إزاء القضاء، ففي تقديري، هذه المادة لا تنهي النقاش، بل تفتحه.
فإذا كان النص يمنع التوقف الكلي، في حين يضمن الدستور حق الإضراب، فإن ذلك يثير إشكالاً قانونياً ودستورياً جدياً حول كيفية التوفيق بين مقتضى المنع الوارد في القانون العادي والضمانة الدستورية لحق الإضراب. ومن هنا يطرح السؤال: كيف نوفق بين النصين؟
هل نفسر المادة 50 تفسيراً مطلقاً يؤدي عملياً إلى حرمان المحامين من حق الإضراب؟ أم يتعين تفسيرها في ضوء الدستور بما يحفظ استمرارية العدالة والحقوق الأساسية للمتقاضين، دون إفراغ حق المحامين في الاحتجاج الجماعي من مضمونه؟
وهنا بالذات تظهر أهمية مبدأ تراتبية القواعد القانونية الذي استند إليه الأستاذ الرميد نفسه. فالقرار المهني يخضع للقانون، لا خلاف في ذلك، لكن القانون العادي بدوره يخضع للدستور. ولا يمكن أن يبدأ سلم التراتبية عند قرار الهيئة وينتهي عند المادة 50، بل يجب أن نصعد إلى الفصل 29 من الدستور باعتباره قاعدة أسمى.
أما الاستناد إلى فكرة الحد الأدنى من الخدمة لمساءلة المحامين عن استمرار توقفهم الشامل، فإنه، في تقديري، يقلب ترتيب المسؤوليات. فحين يبلغ الاحتقان المهني درجة تدفع المحامين، بمختلف هيئاتهم، إلى التوقف الشامل عن تقديم الخدمات، فإن السؤال لا ينبغي أن ينصرف فقط إلى الآثار التي يرتبها هذا التوقف، وإنما قبل ذلك إلى السبب الذي أوصل المهنة إلى هذه الوضعية الاستثنائية.
فالمحامون لم يختاروا تعطيل مصالح المتقاضين غايةً في ذاتها، ولم يتخذوا من حقوق المواطنين وسيلة للضغط، وإنما وجدوا أنفسهم أمام قانون يرون أنه يمس جوهر استقلال مهنتهم وضمانات الدفاع وحقوق المتقاضين أنفسهم. ومن ثم، لا يستقيم تحميلهم وحدهم مسؤولية الآثار المترتبة عن حركة احتجاجية لم تكن إلا نتيجة لأزمة تشريعية كان بالإمكان تفاديها لو جرى الإنصات إلى المؤسسات المهنية وملاحظاتها قبل إخراج القانون.
وعندما تبلغ المهنة هذه المرحلة، فإن التوقف الشامل يصبح موقفاً مهنياً استثنائياً يعبّر عن خطورة ما تعتبره المحاماة مساساً بمقوماتها الأساسية. والمسؤولية عن الحقوق التي قد تتأثر خلال هذه المواجهة لا يمكن عزلها عن المسؤولية السياسية والتشريعية لمن اختار المضي في إخراج قانون للمحاماة رغم حالة الرفض الواسع التي عبّر عنها أصحاب المهنة ومؤسساتها التمثيلية، وما سبق صدوره من تحذيرات واعتراضات واحتجاجات.
ولذلك، فإن وضع المعتقل أو المتقاضي في مواجهة المحامي المضرب يقدم صورة غير مكتملة للمشكلة؛ لأن المحامي لا يتوقف عن الدفاع هروباً من مسؤوليته، وإنما يتوقف دفاعاً عن القدرة على ممارسة هذه المسؤولية مستقبلاً في ظل مهنة حرة ومستقلة. وإذا كانت حقوق المتقاضين قد أصبحت اليوم عرضة للتأثر بسبب هذه الأزمة، فإن البحث عن المسؤولية يجب أن يبدأ من أصل الأزمة، لا من نتيجتها.
فالمحامي لم يصنع هذا القانون، ولم يفرض هذه المواجهة، ولم يكن هو من أغلق أبواب التوافق. ولذلك لا يجوز أن يتحول، بعد أن كان معترضاً على نص يرى فيه مساساً بحقوق الدفاع، إلى المتهم الأول في النتائج التي ترتبت عن فرض ذلك النص.
إن من يريد حماية حقوق المعتقلين والمتقاضين لا ينبغي أن يطالب المحامي وحده بإنهاء احتجاجه، بل عليه أن يسائل أولاً من أخرج قانوناً دفع المحاماة إلى أن تجعل من التوقف الشامل آخر وسائل الدفاع عن استقلالها. وبقدر أهمية هذا النقاش، فإن ثمة مسألة لا تقل عنه أهمية، وهي وحدة صف المحامين.
إن وحدة المحامين في مواجهة ما يعتبرونه تراجعاً تشريعياً ليست في حد ذاتها ظاهرة سلبية، بل قد تكون، في لحظات تاريخية معينة، إحدى أهم ضمانات استقلال المهنة. فالمحامون لم يتوحدوا للمطالبة بامتياز جديد، وإنما توحدوا، في جوهر موقفهم، للدفاع عما يعتبرونه ضمانات ومكتسبات مهنية راكمتها أجيال متعاقبة.
ويمكن أن نختلف داخل المهنة حول الإضراب. يمكن أن يعتقد زميل أن التوقف الشامل خطأ، ويرى آخر أنه الوسيلة الوحيدة المتبقية، ويمكن أن نختلف في التوقيت والمدة والأسلوب، لكن هذا الاختلاف المشروع يجب ألا يتحول إلى انقسام حول الأصل: استقلال المحاماة خط أحمر، والتراجع عن ضمانات الدفاع شأن يهم جميع المحامين.
فوحدة الصف لا تعني إلغاء حرية الرأي داخل المهنة، ولا تعني أن يصبح آلاف المحامين صوتاً واحداً، بل تعني ألا نسمح لاختلافنا حول الوسيلة بأن يتحول إلى وسيلة لإضعاف موقف المهنة في الجوهر، وهذه الوحدة تكتسب معناها الحقيقي عندما نتذكر أن ضمانات المحاماة التي وجدناها عندما دخلنا هذه المهنة لم يصنعها جيلنا. لقد ورثناها عن أجيال من المحامين والنقباء والهيئات الذين دافعوا عن استقلال المهنة وراكموا أعرافها وتقاليدها ومكتسباتها.
ولهذا فنحن لسنا ملاكاً لهذه المكتسبات حتى نتصرف فيها كيف نشاء، نحن مؤتمنون عليها وسيأتي جيل بعدنا يتسلم منا هذه المهنة، ومن حقه أن يسألنا يوماً: عندما شعرتم بأن ضمانات استقلال مهنتكم تتراجع، ماذا فعلتم؟
ولا أعتقد أن الجواب المقبول تاريخياً سيكون أننا توقفنا عن الدفاع عنها لأن القانون نشر في الجريدة الرسمية. فالجريدة الرسمية تجعل القانون نافذاً، لكنها لا تجعل التراجع مقبولاً، ولا تحول الصمت إلى واجب.
وفي السياق نفسه، أتفق تماماً مع الأستاذ الرميد في رفض السب والشتم والتجريح. فتلك سلوكات لا تليق بالمحاماة، سواء صدرت من مؤيد للإضراب أو من معارض له. لكنني أتحفظ على أي خطاب قد يفهم منه تقسيم المحامين إلى عقلاء وغير عقلاء بحسب موقفهم من الحركة الاحتجاجية.
فمن يدافع عن استمرار الإضراب ليس بالضرورة متطرفاً، ومن يدعو إلى وقفه ليس بالضرورة متخاذلاً. كلاهما يمكن أن يكون مدفوعاً بالحرص نفسه على المهنة، مع اختلاف في تقدير الوسيلة. ومن واجبنا نحن المحامين أن نحمي هذا الاختلاف، لأن أخطر ما يمكن أن يحدث في هذه المرحلة هو أن تتحول المعركة من نقاش حول القانون إلى معركة بين المحامين أنفسهم.
ومن هنا أصل أيضاً إلى العبارة التي ختم بها الأستاذ الرميد تدوينته، ومفادها أن الهيئات، ما دامت قد خالفت في تقديره القوانين المنظمة، فإن قراراتها «تبقى هي والعدم سواء».
هذه النتيجة، في تقديري، تحتاج إلى تدقيق قانوني، فهناك فارق في النظرية العامة للقانون بين عدم مشروعية القرار وبين انعدام القرار. والقرار الصادر عن مؤسسة مهنية مختصة لا يصبح عدماً بمجرد أن يرى شخص أنه يخالف قاعدة قانونية. فالانعدام حالة استثنائية ترتبط بعيب بالغ الجسامة يفقد التصرف مقومات وجوده القانونية، أما مخالفة القانون، على فرض ثبوتها، فتفتح المجال للآليات القانونية المقررة للطعن والمنازعة، ولا تسمح لكل شخص بأن يقرر من تلقاء نفسه أن القرار لم يعد موجوداً.
ولهذا أتفق مع الأستاذ الرميد عندما يقول إن احترام المؤسسات المهنية يقتضي احترام القانون، لكنني أضيف إلى ذلك أن احترام القانون نفسه يقتضي احترام الدستور.
فالتراتبية القانونية لا تعمل في اتجاه واحد. القرار المهني يخضع للقانون، والقانون العادي يخضع للدستور، والقيود المفروضة على الحقوق والحريات تخضع لمبادئ الضرورة والتناسب وعدم المساس بجوهر الحق.
وعلى هذا الأساس، لا يجوز استعمال مبدأ تراتبية القواعد لإسكات القرار المهني ثم التوقف عند القانون العادي وكأنه نهاية السلم. ففي قمة هرم القواعد القانونية يوجد الدستور، ومن بين الحقوق التي كرسها صراحة حق الإضراب؛ ومن ثم، فإن النقاش حول مشروعية القرار المهني لا يستقيم قانوناً دون استحضار المرجعية الدستورية التي يتعين أن يُقرأ القانون العادي في ضوئها.
أما ما يتعلق بموازين القوى، فقد يكون الأستاذ الرميد محقاً في أن المحامين يخوضون مواجهة غير متكافئة مع الحكومة، وقد تكون الحكومة أقوى سياسياً ومؤسساتياً، وقد لا يحظى المحامون بالدعم المجتمعي الذي تحتاجه معركتهم. كل هذا يمكن مناقشته، لكنه لا يغير من حقيقة أن الحقوق لا تقاس بموازين القوى. فالحق لا يصبح أقل شرعية لأن صاحبه أضعف.
ولو كانت المشروعية تقاس بالقوة، لما احتجنا إلى الدستور أصلاً. إن وظيفة القانون هي تحديد ما يجوز وما لا يجوز حتى عندما يكون ميزان القوة مختلاً، أما من ينتصر في نهاية المواجهة فذلك سؤال سياسي مختلف.
ومن الإنصاف أن الأستاذ الرميد أقر في تدوينته بأن الحكومة أخطأت في تدبير الملف، وأن بعض تصريحات وزير العدل تجاه المحامين زادت الوضع سوءاً. لكنني أعتقد أن هذه النقطة تستحق مساحة أكبر بكثير في تقييم ما حدث.
فالحوار مع المحامين لا ينبغي أن يبدأ بعد انفجار الأزمة، ومهنة الدفاع ليست مجرد قطاع مهني تفاوضه الحكومة عندما يحتج. كان ينبغي أن يكون المحامون شركاء حقيقيين في إنتاج القانون الذي سيحكم مهنتهم.
فقد يصدر القانون بالأغلبية البرلمانية ويستوفي جميع شروطه الشكلية، لكن نجاح قانون ينظم مهنة حرة ومستقلة يحتاج أيضاً إلى قدر معقول من القبول المهني، لأن النصوص لا تعيش في الجريدة الرسمية وحدها، بل تعيش في الواقع الذي ستطبق فيه.
وقانون للمحاماة يولد في مناخ مواجهة واسعة مع المحامين يحمل منذ يومه الأول أزمة تطبيق كامنة.
ولا يمكنني، وأنا أقرأ تدوينة الأستاذ مصطفى الرميد، أن أتجاهل في هذا السياق خصوصية موقع صاحبها. فهو ليس وزير عدل وحريات سابقاً فحسب، وإنما هو أيضاً محام خبر المهنة من داخلها، وارتدى بذلتها وعرف معنى استقلال الدفاع.
ولهذا فإننا لا نطلب منه أن يوافقنا على الإضراب، ولا أن يتبنى قرارات الهيئات دون نقاش، ولا أن يتخلى عن قناعته القانونية. لكن من المشروع أن ننتظر ممن خبر المحاماة أن يكون شديد الحساسية تجاه كل تراجع يمكن أن يمس استقلالها.
فالوزير الذي جاء من المحاماة يعرف أكثر من غيره أن المحامي ليس تابعاً لوزارة العدل، ويعرف أن التنظيم الذاتي للمهنة ليس منحة من السلطة التنفيذية، ويعرف أن استقلال الدفاع ليس امتيازاً للمحامي، ويعرف قبل ذلك كله أن العدالة لا تكون مستقلة حقاً إذا كان القاضي مستقلاً والدفاع ضعيفاً.
ولذلك كان بودي أن ينصب جزء أكبر من نقد الأستاذ الرميد على التراجعات التي دفعت المحامين إلى الاحتجاج، لا فقط على الوسيلة التي اختاروها للاحتجاج عليها.
إن البذلة التي نرتديها اليوم ارتداها قبلنا محامون دافعوا عن استقلالها في ظروف ربما كانت أصعب من ظروفنا، وسيرتديها بعدنا محامون سيحاسبون جيلنا، ولو تاريخياً، على ما سلمناه لهم.
ومن هنا، فإنني أحترم حق الأستاذ مصطفى الرميد، كما أحترم حق كل زميل، في إبداء موقف مخالف من استمرار الإضراب؛ فالاختلاف في الرأي حق لا ينازع فيه أحد. غير أن الاختلاف الفردي في تقدير الوسيلة لا ينبغي أن يحجب حقيقة أن الموقف الاحتجاجي الحالي صدر عن المؤسسات المهنية الممثلة للمحامين، وأن قوة المحاماة في هذه اللحظة الدقيقة تقتضي الحفاظ على وحدة صفها واحترام قرارات مؤسساتها، ما دامت قائمة ولم يقرر أصحاب الاختصاص العدول عنها أو تغييرها. فما لا ينبغي أن نختلف حوله هو أن استقلال المحاماة ليس امتيازاً قابلاً للتفاوض، وأن هيئاتنا المهنية تظل الإطار المؤسساتي الذي يمثل المحامين ويتحمل مسؤولية الدفاع عن استقلال المهنة ومكتسباتها.
يمكن أن نختلف في تقييم الإضراب ومآلاته، لكن لا ينبغي أن نسمح بأن يتحول النقاش حوله إلى محاكمة للمحامين، بينما يتراجع إلى الخلف النقاش الأصلي حول القانون الذي دفعهم إلى الاحتجاج.
فالسؤال الذي يجب أن يبقى مطروحاً ليس فقط: لماذا لا يوقف المحامون إضرابهم؟
بل أيضاً، وبالقوة نفسها: ما الذي جاء به القانون الجديد حتى دفع المحامين إلى كل هذا الاحتقان؟ ولماذا وصل الحوار بين الدولة ومهنة تشكل ركناً من أركان العدالة إلى هذه الدرجة من القطيعة؟ وهل كان من الممكن تفادي كل ذلك لو تم الإنصات إلى المؤسسات المهنية قبل الوصول إلى هذه المرحلة؟
تلك هي الأسئلة التي تستحق أن تناقش، أما وحدة صف المحامين، فلا ينبغي أن نخاف منها، بل ينبغي أن نخاف من نقيضها.
لأن المحاماة عندما تختلف حول الوسائل تبقى قوية، أما عندما تنقسم حول استقلالها فإنها تبدأ في خسارة المعركة قبل أن تبدأ.
إننا لا ندافع عن امتيازات، ولا نطالب بأن نكون فوق القانون، بل نطالب بأن يبقى المحامي حراً ومستقلاً وقادراً على أداء رسالته دون وصاية أو تضييق غير متناسب.
وإذا كان القانون هو سلاح المحامي، كما ذكر الأستاذ الرميد بحق، فعلينا أن نقرأ القانون كله: من قرار الهيئة إلى القانون العادي، ومن القانون التنظيمي إلى الدستور باعتباره أسمى قانون في البلاد.
فإذا كانت القوانين تعلو على القرارات، فإن الدستور يعلو على القوانين. وإذا كان احترام القانون واجباً على المحامين، فإن احترام الحقوق التي كفلها الدستور واجب على الجميع: دولة وحكومة وبرلماناً وهيئات ومحامين.
وفي النهاية، لسنا في معركة ضد الدولة، ولسنا في معركة ضد الحكومة، ولا ينبغي أن نكون في معركة بين المحامين أنفسهم.
إنها معركة من أجل ألا نسلم لمن سيأتي بعدنا محاماة أقل استقلالاً من تلك التي تسلمناها ممن سبقونا. وتلك، في تقديري، مسؤولية لا يجوز أن نتخلى عنها.
فالخلاف حول وسيلة الاحتجاج يظل مشروعاً، أما التنازل عن استقلال الدفاع أو التسليم بتراجعات تمس ضماناته، فذلك ما لا يجوز أن نقبله على أنفسنا، ولا أن نورثه لمن سيأتي بعدنا.
فالمحاماة لم تكن يوماً مجرد مهنة ندافع بها عن حقوق الآخرين؛ إنها أيضاً رسالة لا تستقيم إلا إذا كان من يحملها حراً ومستقلاً.
مشاركة المحتوى:



إرسال التعليق