جاري التحميل الآن
×

حين يأتي التضييق ممن خبر المحاماة

حين يأتي التضييق ممن خبر المحاماة

لعل أكثر ما يبعث على الأسى في مسار العلاقة بين السلطة التنفيذية ومهنة المحاماة أن بعض أكثر المحطات توتراً لم تقع في عهد وزراء غرباء عن المهنة، بل في عهد وزراء خرجوا من رحمها، ارتدوا بذلتها، وترافعوا أمام المحاكم، وعرفوا معنى أن يقف المحامي مستقلاً في مواجهة الإدارة والنيابة العامة ومختلف مظاهر السلطة. وهنا تصبح المسؤولية السياسية مضاعفة.

فالوزير الذي لم يمارس المحاماة قد نختلف معه في تصوره للمهنة، وقد نلتمس له ـ على الأقل من الناحية النظرية ـ عذر عدم إدراك بعض خصوصياتها. أما الوزير الذي كان محامياً، وعاش داخل الهيئات المهنية، وخبر تقاليد الدفاع واستقلاله، فإنه يعرف تماماً أن استقلال المحاماة ليس امتيازاً للمحامين، وأن حصانة الدفاع ليست ترفاً مهنياً، وأن التنظيم الذاتي للهيئات ليس مجرد إرث تاريخي يمكن التضحية به تحت عنوان التحديث.

إنه يعرف أن وراء كل محامٍ مواطناً يحتاج في لحظة ما، إلى شخص يستطيع الوقوف إلى جانبه في مواجهة السلطة دون أن يكون تابعاً لها.

ومن هنا تبرز المفارقة المؤلمة في مرحلة مصطفى الرميد.

فقد وصل إلى وزارة العدل والحريات محامٍ يعرف المهنة من داخلها، وكان من المشروع أن ينتظر المحامون أن تشكل تجربته المهنية ضمانة إضافية لتعزيز مكانة الدفاع داخل مشروع إصلاح منظومة العدالة.

لكن السنوات اللاحقة كشفت عن توترات حقيقية بين الوزارة والهيئات المهنية، كان من أبرز تجلياتها الخلاف حول المساعدة القضائية وموقع المحاماة داخل ورش إصلاح العدالة.

ولذلك فإن نقد هذه المرحلة لا ينبغي أن يكون نقداً لشخص مصطفى الرميد، وإنما نقداً لاختيار سياسي في تدبير العلاقة مع مهنة كان الوزير نفسه واحداً من أبنائها.

من الرميد إلى وهبي… والمفارقة تتكرر

والأشد إثارة للتساؤل أن التاريخ سيعيد إنتاج المفارقة نفسها بعد سنوات.

يأتي وزير آخر من المحاماة، هو عبد اللطيف وهبي، فيجد المحامون أنفسهم مرة أخرى في مواجهة وزارة العدل، وهذه المرة حول النص الذي يراد له أن يرسم مستقبل مهنتهم لعقود قادمة.

وهنا يصبح السؤال مشروعاً: لماذا أصبحت المحاماة تخشى على استقلالها في عهد وزراء يعرفون، بحكم انتمائهم المهني السابق إليها، قيمة هذا الاستقلال أكثر من غيرهم؟

ولماذا يتحول المحامي، بمجرد انتقاله من موقع الدفاع إلى موقع السلطة التنفيذية، من مدافع عن استقلال المهنة إلى صاحب تصور لإعادة تنظيمها من أعلى؟

إن القضية هنا لا تتعلق بالأشخاص بقدر ما تكشف عن خطورة تحول الموقع.
فالبذلة السوداء تجعل صاحبها ينظر إلى العدالة من موقع الدفاع عن الحقوق والحريات، بينما قد يجعل كرسي الوزارة صاحبه ينظر إلى المنظومة بمنطق التدبير والضبط والتنظيم.

لكن ما ننتظره تحديداً ممن جاء من المحاماة هو ألا يسمح للكرسي بأن يمحو ذاكرة البذلة.

لا نطلب امتيازاً… بل احترام موقع الدفاع

لقد كان الخطأ المتكرر في التعامل مع مطالب المحامين هو تقديمها أحياناً كما لو كانت مطالب فئوية ترمي إلى حماية امتيازات مهنية.

وهذا اختزال مرفوض.

فعندما يدافع المحامون عن استقلال مهنتهم، فإنهم لا يدافعون عن امتياز شخصي.

وعندما يتمسكون بالتنظيم الذاتي لهيئاتهم، فإنهم لا ينازعون الدولة سلطتها التشريعية.

وعندما يرفضون مقتضى يرون فيه مساساً بحصانة الدفاع، فإنهم لا يطالبون بالوقوف فوق القانون.

إنهم يدافعون عن التوازن داخل منظومة العدالة.

فالنيابة العامة تملك سلطة الاتهام، والقضاء يملك سلطة الحكم، والدولة تملك سلطة التشريع والتنفيذ، ولا يبقى للمواطن في مواجهة كل هذه السلطات إلا دفاع يجب أن يكون حراً ومستقلاً وقوياً.

فإذا أضعفنا الدفاع، لم نُضعف المحامي وحده؛ بل أخللنا بالتوازن الذي تقوم عليه المحاكمة العادلة.

مسؤولية وزير العدل المحامي أكبر

لهذا السبب بالذات، لا يمكن أن نقيس مسؤولية وزير جاء من المحاماة بالمعيار نفسه الذي نقيس به مسؤولية غيره.

ليس لأننا نطالبه بمحاباة زملائه السابقين، بل بالعكس.

نطالبه بأن يكون أكثر إدراكاً للخطوط التي لا ينبغي للسلطة التنفيذية تجاوزها في علاقتها بالدفاع.

نطالبه بأن يتذكر أن استقلال القضاء الذي تدافع عنه الدولة لا يكتمل دون استقلال الدفاع.

ونطالبه، حين يختلف مع الهيئات، بأن يتعامل معها باعتبارها مؤسسات مهنية مستقلة تمثل ركناً من أركان العدالة، لا باعتبارها مجرد طرف اجتماعي يمكن تدبير خلافه بمنطق المفاوضات القطاعية.

فالوزير المحامي لا نطالبه بأن يكون وزيراً للمحامين، وإنما نطالبه ألا ينسى، وهو وزير للعدل، لماذا كانت المحاماة حرة ومستقلة أصلاً.

الهيئات المهنية ليست خصماً لوزارة العدل

ومن الخطأ كذلك تحويل الاختلاف بين وزارة العدل والهيئات إلى مواجهة بين الدولة والمحامين.

فالهيئات المهنية، مهما اشتد اختلافها مع الوزارة، ليست جسماً خارج منظومة العدالة.

إنها مؤسسات تاريخية حملت مسؤولية تأطير المهنة، وحماية تقاليدها، وضبط أخلاقياتها والدفاع عن استقلالها.

ومن الطبيعي أن تكون في الصف الأول عندما تشعر بأن مشروعاً تشريعياً قد يمس جوهر المهنة.

بل إن الصمت في مثل هذه اللحظات هو الذي كان سيحتاج إلى تفسير.

يمكن الاختلاف حول وسائل الاحتجاج، وحول تقدير اللحظة، وحول بعض التفاصيل، لكن لا يجوز أن يتحول اختلاف السلطة التنفيذية مع الهيئات إلى مبرر لتجاوز التمثيلية المهنية للمحامين أو إضعافها.

  • فالوزارة تتغير.
  • والوزراء يغادرون.
  • والحكومات تتعاقب.

أما المحاماة فتبقى.

الوزراء يمرون… والبذلة تبقى

وهذه ربما هي الحقيقة التي ينبغي لكل وزير عدل قادم من المحاماة أن يتذكرها.
الوزارة مرحلة في الحياة السياسية.
أما الانتماء إلى رسالة الدفاع فيفترض أن يترك أثراً أبعد من مدة الولاية الحكومية.
سيغادر الوزير مكتبه يوماً، وستصبح المشاريع التي دافع عنها جزءاً من التاريخ، لكن المحامين سيواصلون دخول المحاكم مرتدين البذلة نفسها، حاملين المسؤولية نفسها، ومدافعين عن المواطن في مواجهة السلطة نفسها.
ولذلك فإن التاريخ المهني لا يسأل فقط: ماذا أنجز الوزير؟
بل يسأل أيضاً:

ماذا ترك للمهنة التي جاء منها؟

هل تركها أكثر استقلالاً أم أكثر تقييداً؟

أكثر قوة أم أكثر هشاشة؟

أكثر حضوراً في صناعة العدالة أم أكثر خضوعاً لمن يصنع سياستها؟

ومن هنا يمكن قراءة مرحلة مصطفى الرميد، ثم ما تلاها من مراحل، باعتبارها جزءاً من سؤال تاريخي أكبر:

كيف انتقلت العلاقة بين وزارة العدل والمحاماة من البحث عن الشراكة في بناء العدالة إلى صراع متكرر حول حدود استقلال الدفاع؟

إن أقسى الانتكاسات ليست دائماً تلك التي تأتي من خصوم المهنة.

أقساها تلك التي تقع في عهد من يعرفون قيمة البذلة لأنهم ارتدوها يوماً.

ولهذا فإن نقد وزراء العدل المنحدرين من المحاماة ليس تنكراً لزمالة سابقة، ولا خصومة شخصية، ولا محاكمة للنوايا.

إنه، على العكس، مطالبة لهم بمسؤولية أكبر.

لأننا لا نطلب ممن عرف المحاماة أن يجاملها.

نطلب منه فقط ألا يستخدم سلطة الوزارة في إضعاف المبادئ التي كان يفترض أنه دافع عنها عندما كان يرتدي بذلتها.

فالوزارات زائلة، والمناصب عابرة…

أما المحاماة، فتبقى.

مشاركة المحتوى:

إرسال التعليق

المزيد