جاري التحميل الآن
×

السياسة في هدي النبي صلى الله عليه وسلم… حين كانت القيم أساس الحكم

السياسة في هدي النبي صلى الله عليه وسلم… حين كانت القيم أساس الحكم

يُنظر إلى السياسة في كثير من الأحيان باعتبارها فنًّا لتحقيق المصالح وإدارة شؤون الدولة، غير أن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم قدّمت نموذجًا فريدًا جعل من السياسة رسالة أخلاقية قبل أن تكون ممارسة سلطوية، ومن القيم أساسًا للحكم قبل أن تكون وسيلة للوصول إليه. فقد مارس النبي صلى الله عليه وسلم السياسة بالحكمة والعدل والرحمة والشورى والوفاء بالعهود، فأسس دولة قوية لم تقم على الظلم أو الإقصاء، وإنما على احترام الإنسان وصيانة كرامته.

لقد تجلت الحكمة السياسية للنبي صلى الله عليه وسلم منذ بداية الدعوة، وبرزت بصورة أوضح بعد الهجرة إلى المدينة، حيث وضع وثيقة المدينة التي نظمت العلاقة بين المسلمين وغير المسلمين، وأقرت مبدأ التعايش والتعاون في الدفاع عن المدينة، وهو ما يعكس رؤية سياسية متقدمة في إدارة مجتمع متعدد المكونات.

وكان مبدأ الشورى حاضرًا في كل مراحل قيادته، امتثالًا لقوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: 159]. فكان يستمع إلى أصحابه ويأخذ بآرائهم في القضايا المصيرية، كما حدث في غزوة بدر والخندق، مما يؤكد أن القيادة الناجحة لا تقوم على الاستبداد، بل على المشاركة والثقة.

كما ضرب النبي صلى الله عليه وسلم أروع الأمثلة في الوفاء بالعهود، حتى مع من خالفه، فقال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا﴾ [الإسراء: 34]. وقد التزم ببنود صلح الحديبية رغم ما بدا فيها من مشقة على المسلمين، ليبرهن أن احترام الاتفاقيات قوة أخلاقية وسياسية، وليس ضعفًا.

وكان العدل حجر الزاوية في سياسته، فلم يفرق بين قريب وبعيد، أو قوي وضعيف، وقال صلى الله عليه وسلم: “إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد.” متفق عليه. فالعدل هو الضامن الحقيقي لاستقرار المجتمعات وثقة الناس في مؤسساتها.

ولم تكن الرحمة غائبة عن ممارسته السياسية، فقد وصفه الله تعالى بقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]. وتجلى ذلك في عفوه عن أهل مكة يوم الفتح بقوله: “اذهبوا فأنتم الطلقاء.” فحوّل الخصوم إلى أنصار، والكراهية إلى ولاء، وأثبت أن التسامح قد يكون أقوى من الانتقام.

إن العالم اليوم، وهو يشهد أزمات سياسية وأخلاقية متلاحقة، أحوج ما يكون إلى استلهام هذا النموذج النبوي، الذي يجعل الصدق والأمانة والعدل والشورى والرحمة أساسًا للعمل السياسي. فنجاح السياسة لا يقاس فقط بتحقيق المكاسب، وإنما بقدرتها على حفظ كرامة الإنسان، وإقامة العدل، وخدمة الصالح العام.

لقد أثبت النبي صلى الله عليه وسلم أن السياسة إذا اقترنت بالقيم أصبحت وسيلة لبناء الأوطان، وترسيخ الأمن، وصناعة الثقة بين الحاكم والمحكوم، وهو درس خالد يصلح لكل زمان ومكان.

مشاركة المحتوى:

إرسال التعليق

المزيد