جاري التحميل الآن
×

الحكم الذاتي لكورسيكا… اعتراف فرنسي متأخر بأن المركزية ليست قدرًا

الحكم الذاتي لكورسيكا… اعتراف فرنسي متأخر بأن المركزية ليست قدرًا

قدمت باريس، أخيرًا، إشارة سياسية طال انتظارها تجاه جزيرة كورسيكا، بعدما صادق البرلمان الفرنسي، في قراءة أولى، على مشروع مراجعة دستورية يمنح الجزيرة وضعًا جديدًا يقوم على مبدأ “الحكم الذاتي داخل الجمهورية”. غير أن هذه الخطوة، على أهميتها، تبدو بالنسبة لكثير من المراقبين أقرب إلى تصحيح متأخر لمسار طويل من التردد المركزي، أكثر من كونها تحولًا جذريًا في علاقة الدولة الفرنسية بأحد أكثر أقاليمها خصوصية.

فبعد عقود من المطالب السياسية والثقافية التي رفعها الكورسيكيون دفاعًا عن هويتهم ولغتهم وحقهم في تدبير شؤونهم المحلية، اختارت الدولة الفرنسية التحرك في سياق سياسي وأمني معقد، وبعد سنوات من التوتر الذي طبع العلاقة بين باريس والجزيرة. وهو ما يطرح سؤالًا جوهريًا: لماذا احتاجت الجمهورية، التي طالما قدمت نفسها نموذجًا للديمقراطية واللامركزية، كل هذا الوقت للاعتراف بخصوصية كورسيكا؟

ويمنح المشروع، الذي جاء استجابة للمبادرة التي أطلقها الرئيس إيمانويل ماكرون سنة 2022، سلطات الجزيرة إمكانية تكييف بعض القوانين والأنظمة الوطنية مع واقعها المحلي، إلى جانب صلاحيات تشريعية محدودة في مجالات مثل التخطيط العمراني، والسياحة، والتنمية الاقتصادية، على أن تُحدد تفاصيل هذه الاختصاصات لاحقًا عبر قانون عضوي.

لكن، في المقابل، حرصت باريس على رسم حدود واضحة لهذا الانفتاح. فكل ما يتعلق بالسيادة، من الأمن والدفاع والقضاء إلى العملة والقانون الانتخابي، سيظل حكرًا على الدولة المركزية، كما ستخضع التشريعات المحلية لرقابة المجلس الدستوري ومجلس الدولة، بما يؤكد أن الحكم الذاتي المقترح يبقى محكومًا بسقف دستوري صارم.

ويعكس هذا التوازن الحذر استمرار المقاربة الفرنسية التقليدية القائمة على الحفاظ على وحدة الدولة مع تقديم هامش محدود من اللامركزية، وهي فلسفة تختلف عن نماذج أوروبية أخرى منحت أقاليمها صلاحيات أوسع في إدارة شؤونها.

ولا يعني تصويت الجمعية الوطنية نهاية المسار، إذ لا يزال المشروع بحاجة إلى مصادقة مجلس الشيوخ بالصيغة نفسها، قبل عرضه على البرلمان بمجلسيه في مؤتمر فرساي، حيث يتطلب الحصول على أغلبية ثلاثة أخماس حتى يدخل حيز التنفيذ.

وتكشف هذه المحطة أن الدولة الفرنسية، رغم تمسكها التاريخي بالنموذج الجمهوري المركزي، باتت تجد نفسها مضطرة إلى إعادة التفكير في علاقتها بالأقاليم ذات الخصوصية الثقافية واللغوية. غير أن السؤال الذي سيظل مطروحًا بعد هذا التصويت هو ما إذا كانت باريس قد استبقت المستقبل برؤية إصلاحية، أم أنها لم تفعل سوى اللحاق بواقع سياسي واجتماعي فرض نفسه بعد سنوات طويلة من الانتظار

مشاركة المحتوى:

إرسال التعليق

المزيد