جاري التحميل الآن
×

حين يغني بودشار… على أنقاض موتى آسفي المنكوبة.

حين يغني بودشار… على أنقاض موتى آسفي المنكوبة.

في الوقت الذي كانت فيه مدينة آسفي تعيش على وقع فاجعة إنسانية حقيقية، بفعل فيضانات وسيول جارفة جرفت معها الأرواح والممتلكات، وخلّفت وراءها بيوتًا مهدّمة، وذكريات غارقة، وأسرًا مفجوعة، كان المشهد العام مشبعًا بالحزن والتضامن.

تضامن صادق من أبناء المدينة، ومن مدن أخرى، ومن مؤسسات دستورية، ومن بعض المسؤولين الذين استشعروا – على الأقل – جسامة اللحظة.

لكن، وفي خضم هذا الألم الجماعي، يخرج علينا بعض من يُطلق عليهم مجازًا “فنانون”، أمثال فرقة مايسمى بودشار ممن لا يمتّون لقيم الفن بصلة، ليقيموا سهرات غنائية صاخبة في نفس الجهة المنكوبة، غير مكترثين لا بالموت، ولا بالدموع، ولا بصرخات المتضررين، فقط من أجل دراهم معدودة.

أي فن هذا الذي يُقام فوق الأنقاض؟ وأي إنسانية تلك التي تسمح لصاحب ميكروفون أن يرفع صوته بالغناء، بينما في الجوار أناس يبحثون عن جثث، أو عن مأوى، أو عن كسرة أمل؟

إن ما قام به هؤلاء ليس “فنًا”، بل سقوط أخلاقي مدوٍّ.
فالفن، في جوهره، تعبير عن الوجدان الإنساني، لا أداة لدهسه.
والفنان الحقيقي يلتزم الصمت حين يكون الصمت أبلغ، ويختار التضامن حين يكون الفرح إهانة.

إقامة سهرة غنائية في زمن الحداد، وفي مكان الجرح، ليست مجرد سوء تقدير، بل استخفاف فجّ بآلام الناس، واستعراض فجّ للأنانية، وتحويل للمأساة إلى خلفية موسيقية بلا كرامة.

الأدهى من ذلك أن مثل هؤلاء لا يتحدثون إلا لغة التذاكر و “الالتزامات” و“العقود”، وكأن المال صار أثمن من الأرواح، وكأن احترام مشاعر المنكوبين ترف يمكن الاستغناء عنه.

وهنا لا يعود السؤال فنيًا، بل أخلاقيًا بامتياز:

هل يمكن لمن يرقص على جراح الناس أن يُسمّى فنانًا؟
أم أنه مجرد مؤدٍّ بلا ضمير، يستثمر في كل شيء… حتى في الكوارث؟
وهل يعرف أين توجد أسفي و تاريخ أسفي و حضارتها لأن التاريخ لا ينسى، والذاكرة الجماعية لا ترحم.

وستبقى هذه اللحظات شاهدة على من اختار الوقوف مع الإنسان، ومن اختار الوقوف مع الربح، ولو كان الثمن كرامة مدينة منكوبة.

في زمن الفيضانات، كان المطلوب حدادًا لا حفلات، تضامنًا لا صخبًا، إنسانية لا أضواء.

أما من عجز عن فهم ذلك، فقد أسقط عن نفسه – قبل غيره – أي حق في حمل اسم “الفن”.

مشاركة المحتوى:

إرسال التعليق

المزيد