جاري التحميل الآن
×

التأصيل الشرعي والقانوني للرد على من يبرر قتل غير المسلمين بدعوى الاختلاف الديني.

التأصيل الشرعي والقانوني للرد على من يبرر قتل غير المسلمين بدعوى الاختلاف الديني.

شهدت الأوساط العالمية مرة جديدة صدمةً بعد الهجوم المسلّح الذي استهدف احتفالًا لليهود في منطقة بوندي بيش في سيدني بأستراليا حادث وصفته السلطات الأسترالية بأنه اعتداء إرهابي أودى بحياة وإصابة عشرات المدنيين.

الحادث أعاد إلى الواجهة نقاشًا حارقًا حول مبرّرات العنف الديني والتبريرات التي يختلقها البعض لقتل «الآخر» بحجّة الاختلاف في الدين أو العقيدة. في هذا المقال نعيد تأصيل موقف الشريعة الإسلامية والتشريع الدولي من هذا الادعاء، ونبيّن أن الشرع والقانون معًا يرفضان قتل المدنيين الأبرياء، وأن ما يسمّيه المتطرفون «القتال» لا يتجاوز كونه عدوانًا محظورًا شرعًا وقانونًا.

النصوص القرآنية الأولى التي تحدد ضوابط القتال واضحة وصريحة بأن القتال مشروع فقط في حالات محددة: «وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ». الآية لا تركّب معيارًا دينيًا لقتل الأعضاء المدنيين من أتباع ديانات أخرى لمجرّد اختلافهم في العقيدة، بل تضع قيدًا أساسيًا: «الذين يقاتلونكم» — أي الذين يباشرون بالفعل القتال أو العدوان. كما أن كثيرًا من مفسري النص أجازوا القتال في سياق دفاع مشروع بشرط عدم التجاوز وحرمة قتل الآمنين والنساء والأطفال والرهبان وغير المقاتلين. كما بين المصطفى صلى الله عليه وسلم.

وقد رسّخ الإسلام منذ بداياته قواعد أخلاقية صارمة في زمن الحرب، تقوم على التمييز بين المقاتلين وغير المقاتلين، وهو ما يتجلى بوضوح في وصايا النبي ﷺ وخلفائه من بعده. فقد جاء في الوصايا المشهورة: لا تقتلوا امرأة، ولا راهبًا في صومعته، ولا شيخًا فانيًا، ولا طفلًا، ولا تقطعوا شجرًا، ولا تهدموا عمرانًا». وهي وصايا تؤكد أن القتال في الإسلام ليس انتقامًا ولا إبادة، بل ضرورة مقيدة بضوابط أخلاقية، تحرم استهداف المدنيين ودور العبادة والبيئة، وتؤسس لفهم إنساني متقدم سبق بكثير ما عُرف لاحقًا في قوانين الحرب الحديثة.

من ذلك يستنتج الفقه الصحيح أن مجرد الاختلاف العقائدي ليس مبرّرًا لأي عمل عدواني. الجهاد في الفقه الإسلامي له ضوابط: يجب أن يكون لرد العدوان أو لرفع الظلم، وأن تتوفر فيه شروط الشرعية والقيادة والتنظيم والتمييز بين مقاتل وغير مقاتل. تجاوز هذه الضوابط أو تفسير النصوص بطريقة انتقائية لتبرير قتل المدنيين هو تحريفٍ للنصّ ومخالفة صريحة لروح الشريعة التي تؤكد حفظ النفس والمال والعِرض.

على المستوى الدولي، هناك مبدأ واضح أيضًا: الدول تحتفظ بحقّ الدفاع عن نفسها إذا تعرّضت لاعتداء مسلّح، كما ورد في المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة. لكن هذا الحقّ يتعلّق بردّ الدولة على اعتداء منظم أو مسلّح ولا يعطي أفرادًا أو جماعات حقّ اغتيال مدنيين أو تنفيذ انتقامات خارج إطار القانون. القاعدة الدولية تُميّز بوضوح بين استخدام القوة المشروع من قبل الدول في إطار الدفاع الشرعي، وبين أعمال العنف الفردية أو الجماعاتيّة التي تستهدف مدنيين.

هذه الفوارق القانونية مهمة: من يدّعي أن قتل «غير المسلمين» مبرر لأنهم «يخالفوننا في العقيدة» يخلط بين مرتكزات حق الدولة في مواجهة اعتداء مسلّح، ومزاعم دينية فردية لا سند لها في الشريعة الصحيحة أو في القانون الدولي. لا يوجد نص شرعي يبيح المواطنة بالقتل خارج إطار العدوان المسلّح، ولا يوجد موقف دولي يجيز للأفراد أو لجماعات خارج الدولة أن تتولى تنفيذ «العدالة» بهذه الطريقة.

مشاركة المحتوى:

إرسال التعليق

المزيد