الأمن أولًا: لماذا أصبح التراخي الأوروبي تجاه الإخوان مخاطرة استراتيجية؟
بقلم عبد الرزاق الحارثي
من منظور أمني بحت، لم يعد الجدل الأوروبي حول جماعة الإخوان المسلمين نقاشًا قانونيًا أو أيديولوجيًا، بل ثغرة استراتيجية مفتوحة في منظومة الوقاية من التطرف. فالدول لا تُهدَّد فقط بما يضربها مباشرة، بل بما يُسمَح له بالعمل داخلها دون مساءلة، وبما يُغذّي بيئة الخطر على المدى المتوسط والبعيد.
الأجهزة الأمنية الأوروبية تعلم—وتوثّق—أن الإخوان لا يعملون كنمط تنظيمي كلاسيكي، بل كـشبكات مرنة متعددة الواجهات: جمعيات، منصات دعوية، أذرع تعليمية، ومسارات تمويل غير مباشرة. هذا النمط لا يهدف إلى العنف الفوري، بل إلى إعادة تشكيل المجال الاجتماعي وبناء ولاءات موازية تُضعف مناعة الدولة، وتخلق خزّانًا بشريًا قابلًا للت radicalization عند الأزمات.
الخلل الأوروبي الجوهري هو الفصل المصطنع بين التطرف الفكري والعنف العملياتي. أمنيًا، هذا الفصل غير موجود. التجارب أثبتت أن مسار العنف يبدأ بسردية، ثم تنظيم، ثم تبرير، ثم فعل. الإخوان يشتغلون بكفاءة في المراحل الأولى من هذا المسار، تاركين “المرحلة الأخيرة” لغيرهم، بينما تبقى المسؤولية—والثمن—على عاتق الدولة المستهدفة.
فرنسا وبريطانيا وألمانيا تمتلك تقارير استخباراتية كافية لفهم المخاطر، لكن القرار السياسي ظل مترددًا، مفضّلًا إدارة الخطر بدل تحييده مبكرًا. هذه المقاربة قد تُخفف الاحتكاك قصير الأمد، لكنها تُراكم المخاطر، وتمنح الشبكات الوقت لإعادة التموضع وتبديل الواجهات وتحصين التمويل.
الأمن لا يُدار بردّ الفعل. الوقاية الاستباقية تعني تجفيف البيئات الحاضنة، وضبط الواجهات التنظيمية، وفرض شفافية صارمة على التمويل والخطاب، وتصنيف الكيانات التي تُثبت التحقيقات ارتباطها بسلاسل التطرف—حتى إن لم تمارس العنف مباشرة. أي أقل من ذلك هو مقامرة بأمن المجتمعات.
مشاركة المحتوى:



إرسال التعليق