معرض الكتاب ، رغم ضجيجه فارغ في معناه.
بقلم الحاج المعطي
لم يعد معرض الكتاب بالرباط ذلك الفضاء الذي يُفترض أن يحتفي بالكتاب كقيمة معرفية وروحية، بل تحوّل، تدريجياً وبشكل مقلق، إلى واجهة باهتة تختلط فيها الأولويات وتضيع فيها البوصلة. فبدل أن يكون موعداً سنوياً ينتظره القرّاء لاكتشاف الجديد في الفكر والأدب، أضحى أقرب إلى سوق موسمي يعجّ بالحشو والإطناب، حيث يُعرض كل شيء… إلا الكتاب بمعناه العميق.
إن أول ما يصدم الزائر هو سوء التنظيم الذي لم يعد مجرد خلل عابر، بل أصبح سمة شبه ثابتة. أروقة مكتظة، توزيع عشوائي، وغياب واضح لرؤية تُيسّر تجربة القارئ أو تحترم وقته. يتحول التجوال داخل المعرض إلى مهمة مرهقة بدل أن يكون متعة ثقافية. وكأن الغاية لم تعد تقريب الكتاب من القارئ، بل فقط ملء الفضاء بأي شكل ممكن.
لكن الخلل الأعمق لا يكمن في التنظيم فحسب، بل في جوهر المعرض نفسه. فقد انزاح هذا الحدث عن سبب وجوده الأساسي: الاحتفاء بالكتاب والكاتب الحقيقي. عوض ذلك، أصبحنا أمام استعراض للوجوه، بعضها بعيد كل البعد عن فعل الكتابة، وأمام حضور طاغٍ لمؤسسات وإدارات تعرض تقاريرها السنوية في مشهد أقرب إلى معرض إداري منه إلى تظاهرة ثقافية. هنا تُطرح الأسئلة بحدة: ما الذي تفعله هذه الجهات في فضاء يُفترض أنه مخصص للإبداع؟ ومن الذي سمح بتحويل الكتاب إلى مجرد خلفية في مشهد استعراضي؟
لقد صار الكاتب، في كثير من الأحيان، مجرد عنصر ثانوي، يُستدعى لتوقيع الكتب في زوايا هامشية، بينما تُسلّط الأضواء على من يجيدون الظهور لا الكتابة. تُقدَّم الأسماء بناءً على قدرتها على جذب الانتباه، لا على قيمة ما تكتبه. وهكذا يُقصى الكاتب الحقيقي، ذاك الذي يشتغل بصمت على اللغة والفكرة، لصالح “نجومية” فارغة لا تضيف شيئاً للمشهد الثقافي.
أما الكتاب نفسه، فقد أصبح ضحية هذا التحول. لم يعد هو محور المعرض، بل مجرد سلعة بين سلع أخرى، تُعرض دون سياق، ودون رؤية نقدية أو توجيه ثقافي. تغيب المعايير، وتختلط الرداءة بالجودة، دون أي محاولة جادة لخلق فضاء يُحفّز القارئ على الاختيار الواعي.
في ظل هذا الواقع، يصبح السؤال مشروعاً وملحّاً: أين الكتاب الحقيقي؟ وأين الكتّاب الحقيقيون؟ أين تلك الأصوات التي تُفكّر وتُقلق وتفتح آفاقاً جديدة؟ إن غيابهم ليس صدفة، بل نتيجة منطق طبيعي لمسار انحرف عن غايته.
إن إعادة الاعتبار لمعرض الكتاب لا تمر فقط عبر تحسين التنظيم، بل عبر استعادة روحه. يجب أن يعود الكتاب إلى مركز الاهتمام، وأن يُمنح الكتّاب الحقيقيون المساحة التي يستحقونها، وأن يُعاد تعريف دور المعرض كفضاء للنقاش الحر والإبداع، لا كمنصة للاستعراض أو الترويج الإداري.
مشاركة المحتوى:



إرسال التعليق