حين تصبح الوزارة وكالةً لإشباع عقد المسؤولين
بقلم الحاج المعطي
من المؤلم أن يتحول بعض الوزراء والمسؤولين في المغرب من خدامٍ للمصلحة العامة إلى باحثين عن تعويض نفسي متأخر، يستعملون المناصب الوزارية لإشباع رغبات شخصية وصناعة “بريستيج” اجتماعي لم يستطيعوا تحقيقه في طفولتهم أو شبابهم. وكأن الوزارة لم تعد مسؤولية وطنية ثقيلة، بل بطاقة VIP مفتوحة للسفر، والولائم، والتقاط الصور مع المشاهير على حساب أموال المغاربة.
أي منطق هذا الذي يجعل وزيرًا ينبهر بفنانين مصريين إلى درجة تخصيص دعوات رسمية لهم، تشمل تذاكر الطيران، والإقامة الفاخرة، والهدايا، والإكراميات، فقط ليحظى بصورة إلى جانبهم أو بمشهد بروتوكولي يمنحه شعورًا زائفًا بالأهمية؟ ألهذا يدفع المواطن ضرائبه؟ وهل تحولت الوزارات إلى شركات إنتاج فني وتمويل للسهرات الخاصة؟
الأكثر استفزازًا أن هذا التهافت على نجوم الخارج يقابله تجاهل مهين لفنانين مغاربة أفنوا أعمارهم في خدمة الفن والثقافة الوطنية. فنانون صنعوا ذاكرة المغاربة لعقود، لكنهم اليوم يعيشون الفقر والمرض والتهميش. بعضهم اضطر إلى التسول أمام الإدارات والعمالات طلبًا لبضعة دراهم تحفظ كرامته، وآخرون انتهت حياتهم بالانتحار بعد أن أغلقت الوزارة أبوابها في وجوههم ولم تجد حتى آذانًا تسمع صرخاتهم.
هو عبث أخلاقي وسياسي يطمح صاحبه في إعادة الكرة مرة أخرى في انتخابات لايرجى منها خير ان هي تمت بنفس أسلوب سابقاتها
فكيف لمسؤول عمومي أن يصرف الملايين على حفلات الاستقبال والإقامات الفندقية الفاخرة لفنانين أجانب، بينما فنانون مغاربة يموتون في صمت داخل وطنهم؟ كيف يجرؤ بعض الوزراء على الحديث عن “الهوية الثقافية الوطنية” وهم أول من يساهم في إذلال رموزها الحقيقية؟
المشكلة لم تعد فقط في تبذير المال العام، بل في العقلية التي تدير هذا المال. عقلية تعتبر المنصب فرصة للوجاهة الاجتماعية، وتصفية العقد الشخصية، والظهور الإعلامي، بدل أن يكون تكليفًا لخدمة المواطنين والدفاع عن كرامتهم.
المغاربة اليوم لم يعودوا سذجًا. المواطن يرى، ويقارن، ويدرك جيدًا الفرق بين مسؤول يحمل همّ الوطن، ومسؤول يتعامل مع الوزارة كأنها وكالة أسفار ممولة من جيوب الفقراء.
إن من العار أن يصبح الفنان المغربي غريبًا داخل بلده، بينما تُفتح خزائن المؤسسات بسخاء لكل ضيف أجنبي فقط لأنه مشهور أو يملك ملايين المتابعين. الوطنية ليست شعارات في المهرجانات والصور التذكارية، بل هي احترام أبناء هذا الوطن أولًا، وصيانة المال العام من العبث والاستعراض الفارغ.
لقد حان الوقت لربط المسؤولية بالمحاسبة فعليًا، لا كشعار دستوري يُردد في الخطب فقط، بل كمبدأ يطبق على كل مسؤول يعتقد أن المنصب امتياز شخصي، لا أمانة وطنية.
مشاركة المحتوى:



إرسال التعليق