جاري التحميل الآن
×

ماذا يخفي الخطاب الأكاديمي في زمن الولاء؟

ماذا يخفي الخطاب الأكاديمي في زمن الولاء؟

لقد أكدنا مرارا،‏ألا ديمقراطية بدون ديمقراطيين، وأن الديمقراطية طريق شاق وطويل، وليست ميدانا صوريا لحرب المواقع، بل هي مواطنة ملتزمة، وممارسة لا محيد عنها، لحسن تدبير الشأن العام، ولا سيما المحلي منه. ولا يمكن تحصينها إلا بترسيخ ثقافة المواطنة المنوط بالأحزاب السياسية، وهيئات المجتمع المدني، وبتحسين الأحوال المعيشية للمواطن ، حتى يلمسها في واقعه اليومي.
“جلالة الملك محمد السادس نصره الله و أيده بمناسبة افتتاح السنة التشريعية 2003-2004”

أسباب نزول هذا المقال هو دعوة وجهتها أحد المؤسسات التي تهتم الشأن السياسي هذا الأسبوع لمجموعة من المنتمين إلى الدرس الجامعي، حيث أنه كلما اقتربت اللحظة الطقوسية للإنتخابات، عادت الأسئلة القديمة في ثوب جديد و من قبيل هل النظام المغربي أفقد الأحزاب استقلاليتها؟ هل تم احتواء الأحزاب من طرف الدولة؟ هل فقد الشباب الثقة؟ غيرها من التساؤلات الذي تطرح دون تحليل عميق أو أجوبة شافية دون أن ننسى استراتيجية الرمي المتبادل بالاخفاقات.

إن لحظة التصويت هي ليست مجرد عملية تنتهي بإدلاء الناخب بصوته ، بل تكمن خطورتها وقوتها في كونها آلية لشرعنة السلطة عبر المشاركة الجماعية أو بتعبير أخر صياغة عقد اجتماعي متجدد من خلال هذه المشاركة ( فلاسفة العقد الاجتماعي) أو كما تعبر عنه السوسيولوجيا الأمريكية عند جون ستيوارت ميل، تعتبر الإنتخابات عملية بيداغوجية تهدف إلى تطوير الوعي السياسي تجاه الصالح العام.
لكن هذه الغايات النبيلة تبقى مجرد وهم، إذ أن مقدمات هذه العملية و نتائجها تجعلنا نعيش في مستقبل زائف، حيث في تتحول في النهاية إلى مجرد آلية لإعادة إنتاج الشرعية نفسها من خلال صراع القوى الرمزية بين المرشحين الذين يستغلون مختلف الحقول (المال، الدين، الإعلام، السلطة ، المهنة…)، أي أننا نعطي السلطة لمن يمتلكها أصلا، ويتم ذلك في طقس اجتماعي اوحفل فرجوي حسب وصف بودريار، غوفمان.
الأمر المثير للأسف هو خروج بعض الأكاديمي المغاربة عن دورهم المنوطة بهم، و الذي يفترض أن يتسم بالموضوعية و الحياد في تحليل التحولات السياسية بالمغرب و كافة أشكال بالفعل السياسي المرتبطة بها ، إذ يتحول الأكاديمي إلى حالة من “التناقض الوظيفي”، حيث يصبح منتجا للمعرفة من جهة، وجزءا من النظام الذي ينتقده من جهة أخرى، بحيث أن بعض النخب الأكاديمية التي تقدم نفسها كمصدر للمعرفة هي في الواقع إما جزء لا يتجزء من منتجي القرار السياسي أو متحالفة معهم، رغم امتلاكها للأدوات النقدية. وهكذا ينتجون ما يمكن أن نسميه “الدائرة المغلقة للسلطة” حيث يتبادل الأكاديمي والسياسي الأدوار و الامتيازات،و تتحول الشبكات العلائقية و الحزبية إلى رأسمالي رمزي يستثمر في الجامعة كجسر للعبور الاجتماعي والمهني.

وبهذا الشكل يتحول النقد الأكاديمي إلى مجرد طقس شكلي يهدف إلى شرعنة الوضع القائم دون أي أثر حقيقي، مما يدفعنا إلى التساؤل على طريقة جاك ديريدا عما يتم اخفائه في الخطاب، و تساؤل عن المسكوت عنه في خطاب الذات قبل خطاب الاخر، أي في خطاب الأكاديمي قبل خطاب السياسي. وهكذا تتحول الجامعة إلى ساحة للولاءات و الانزياحات، حيث يعيش الأكاديميين في مؤسسة لإنتاج الأفكار و هم في الواقع يلهثون وراء المصالح وتبررها.

ينبغي على الأكاديمي أن ينتقل من التبرير والتحفيز إلى فضاء نقدي أكثر شمولية يعيد للأكاديمية سلطتها المعرفية، حتى تستعيد الجامعة دورها كقاطرة للتغيير الحقيقي في للمجتمع، و يصبح السياسي تابعا للأكاديمي وليس العكس.

إلا أن الواقع يشير إلى أن المجال الأكاديمي في المغرب أصبح مخترقا من طرف العديد من العائلات الحزبية، بل أن بعض العائلات أصبحت تصنع أكاديمين تابعين ومحسوبين عليها، ينتمي بعضهم إلى ما يمكن أن نسميه “بالنوادي العائلية” المستفيدة من الريع العائلي.
إن تحول السياسة إلى فرجة ليس فقط نتيجة لفشل الحوار التاريخي “غادامير” أو التواصلي “مدرسة فرانكفورت”.

بل هو مرتبط بتحول الفعل السياسي إلى مجرد أداة لإعادة الإنتاج الإجتماعي،ويتحول الحقل الأكاديمي إلى مجال للهيمنة و الانضباط، حيث تصبح المعرفة إلى أداة لتبرير إنتاج السلطة (فوكو)، دون إغفال دور التلاعب الرقمي و الإعلامي في تشكيل العقول الأجساد.
إن الحل في جوهره تنموي بالدرجة الأولى، خاصة و أن حتى الإحتجاجات السابقة في غالبيتها كانت ذات مضمون تنموي. فطالما عجزت النخبة السياسية عن تقديم حلول تنموية حقيقية ، سيظل الوضع على ماهو عليه إلى إشعار أخر.

مشاركة المحتوى:

إرسال التعليق

المزيد