جاري التحميل الآن
×

عن البنية الأمنية (الجزء الثالث): التوجهات الكبرى لمسارات جهاز المديرية العامة للدراسات والمستندات ” لادجيد” والتعاطي مع المؤامرات الخارجية.

عن البنية الأمنية (الجزء الثالث): التوجهات الكبرى لمسارات جهاز المديرية العامة للدراسات والمستندات ” لادجيد” والتعاطي مع المؤامرات الخارجية.

بقلم الدكتور طارق اتلاتي: رئيس المركز المغربي للدراسات والأبحاث الاستراتيجية.

من الواضح أن العديد من المؤسسات والقطاعات والإدارات وغيرها من مرافق الدولة تلعب أدوارا حاسمة وطلائعية في حياة المواطنين ومسارات الوطن دون أن يتم الحديث عنها، أو التعرض لها ولو من باب معرفة الشيء ليس إلا.

تعتبر المديرية العامة للدراسات والمستندات المعروفة اختصارا ب:”لادجيد” واحدة من أهم هذه الإدارات الأمنية / الاستخباراتية التي تعد الفيصل في تدبير أكثر القضايا والملفات المصيرية والحساسة في السياسة الأمنية القومية الاستراتيجية الكبرى للمملكة المغربية، نظير دورها الأساسي والمحوري في الإدارة المحكمة والاحترافية لكل الأمور المسندة إليها محليا وخارحيا. وإلى عهد قريب لم يكن أحد بما في ذلك أهل الاختصاص والعاملين بالجهاز “لادجيد” يتوقع أن توكل مهمة إدارة هذا المرفق الامني/ الاستخباراتي الحساس إلى شخصية مدنية، لما ينطوي عليه هذا الجهاز من صبغة وتوجه أمني شبه عسكري مرتبط بالمصالح الاستراتيجية العليا للدولة، ولكونه صمام أمان استقرار الأمن القومي الخارجي للمملكة المغربية بكل أبعاده الوطنية والإقليمية والقارية والدولية، وجعلت هذه النظرة النمطية البعض بعيدا عن توقع ما سوف يحققه هذا الجهاز الاستخباراتي من النجاحات الباهرة غير الاعتيادية والمكاسب الوطنية / الدبلوماسية غير المسبوقة في أقوى القضايا والملفات الشائكة والمعقدة في تاريخ المغرب على عهد السيد محمد ياسين المنصوري، فهذا الرجل الذي يشتغل في صمت رهيب وتواضع غير معهود، يبين بعمله الثابت الإيقاع في خدمة العرش ومصالح المملكة المغربية، عن حسه الوطني الكبير البعيد عن الأضواء، وعن حسن تدبير لهذا المرفق المتعدد المهام والاختصاصات الأمنية المجسورة بجسامة المسؤولية الوطنية الكبرى. فقد تمكن السيد المنصوري على رأس المديرية العامة للدراسات والمستندات، في ظرف زمني قياسي من جعل المستحيل حقيقة ممكنة في أقوى الملفات تأثيرا في المشهد المغربي وطنيا وأقليميا وقاريا، في ضوء عملية الترويض الذكي والناجع للوقائع والمعطيات ذات الصلة باتجاه الأجندات المغربية بالقدر الذي يخدم المصالح والتوازنات الكبرى للبلاد. وذلك عبر وضع خطط وبرامج مهيلكة بأبعاد أمنية / استخباراتية محكمة ومؤطرة بمرجعية فنية وتقنية جد متطورة مغايرة للمنهجية التي أسست عليها قواعد الجهاز على عهد المسؤولين السابقين، مرجعية بسمات وحمولة فكرية وأمنية تحاكي بدقة عالية أكبر وأقوى مناهج الأجهزة الأمنية والمنظومات الاستخباراتية العالمية في التدبير والتعاطي مع المصالح الكبرى للدولة على كافة المستويات.

يشكل محمد ياسين المنصوري أحد أبرز العقول الاستخباراتية الخارجية في العالم العربي خلال العقدين الأخيرين. فمنذ توليه قيادة المديرية العامة للدراسات والمستندات (DGED) سنة 2005، تحوّل الجهاز إلى رافعة استراتيجية لمكانة المغرب الدولية. لم يقتصر دوره على جمع المعلومات وتحليلها، بل تجاوز ذلك إلى إعادة تعريف مفهوم “الاستخبارات” في السياق المغربي باعتبارها أداة للتخطيط الاستراتيجي، والدبلوماسية الأمنية، وحماية المصالح العليا للدولة في بيئة جيوسياسية مضطربة.

الاستخبارات كأداة استراتيجية

حين عُيّن المنصوري مديرًا عامًا لـ DGED، كان السياق الإقليمي يتسم بتصاعد تهديدات الإرهاب العابر للحدود، وانفلات الأوضاع الأمنية في الساحل والصحراء، إلى جانب تعقيدات ملف الصحراء المغربية.

أدرك مبكرًا أن الاستخبارات الخارجية لا يمكن أن تظل مجرد أداة “رد فعل”، بل يجب أن تتحول إلى جهاز استباقي يوفّر للمؤسسات السيادية القدرة على اتخاذ القرار في توقيت مناسب.

إصلاح هيكلي وتقني

اعتمد ياسين المنصوري على مقاربة مزدوجة:

1. إصلاح هيكلي: إعادة تنظيم الجهاز ليصبح أكثر تخصصًا ومرونة، مع تقسيم المهام بين وحدات ميدانية وتحليلية.
2. تحديث تقني: إدماج تقنيات الذكاء الاصطناعي، تحليل البيانات الضخمة، واستخدام أنظمة التشفير المتقدمة لضمان أمن المعلومات.
هذه النقلة التكنولوجية جعلت من الاستخبارات الخارجية المغربية قادرة على التعامل مع تهديدات مركبة مثل الهجمات السيبرانية، الشبكات الإرهابية المموّلة عبر قنوات مالية سرية، وحركات الهجرة غير الشرعية المرتبطة بالجريمة المنظمة.

مكافحة الإرهاب: من المحلي إلى العابر للحدود

برز الدور العملياتي لـ DGED في سياق الحرب العالمية على الإرهاب بعد 2001، لكن ياسين المنصوري قاد الجهاز نحو مستوى أعلى من الفعالية عبر:

• تقديم إنذارات مبكرة لشركاء أوروبيين حالت دون وقوع هجمات دموية.
• تفكيك خلايا مرتبطة بالقاعدة وداعش وغيرها داخل المغرب وخارجه.
• توسيع دائرة النفوذ الاستخباراتي الخارجي المغربي لتشمل منطقة الساحل، حيث يُعد المغرب من الفاعلين القلائل القادرين على توفير معلومات دقيقة عن الجماعات المسلحة.

عملية بوركينا فاسو (2023): لحظة مفصلية

من أبرز إنجازات المنصوري نجاح جهازه في تحرير الرهائن بإفريقيا من الأسر لدى الجماعات الإرهابية. هذه العمليات لم تبرز فقط قدرات المغرب العملياتية، بل كرّست صورته كفاعل إنساني وأمني موثوق، ما دفع رومانيا إلى تكريمه بوسام نجمة رومانيا.

الاستخبارات والدبلوماسية الأمنية

أدرك ياسين المنصوري أن العمل الاستخباراتي لا ينفصل عن الدبلوماسية. لذلك، وظّف DGED كأداة لتعزيز مكانة المغرب الدولية، خصوصًا في:

• ملف الصحراء المغربية، حيث لعبت المعلومات الاستخباراتية دورًا في إقناع شركاء استراتيجيين بما فيهم الجدد بعدالة الموقف المغربي.
• بناء تحالفات جديدة، سواء مع الأجهزة الأوروبية (أمريكا، إسبانيا، ألمانيا) أو مع شركاء غير تقليديين في إفريقيا جنوب الصحراء.
• التعاون مع الولايات المتحدة، حيث أصبح المغرب طرفًا أساسيًا في تبادل المعلومات حول الإرهاب والهجرة والشبكات الإجرامية.

بين السرية والجدل

رغم الطابع السري لعمله، ارتبط اسم ياسين المنصوري بجدل سياسي بعد كشف تقارير صحفية عن زيارته لإسرائيل سنة 2006 ولقائه بمسؤولين في الموساد.
هذه المعطيات أوضحت أن العلاقات الأمنية المغربية–الإسرائيلية سبقت التطبيع الرسمي بسنوات، ما يعكس براغماتية في مقاربة المغرب للأمن الإقليمي.

التحديات المستقبلية أمام DGED

رغم ما تحقق من إنجازات، يواجه الجهاز تحت قيادة المنصوري تحديات متنامية:

• الإرهاب السيبراني: إذ تسعى الجماعات المتطرفة إلى استغلال الفضاء الرقمي للتجنيد والتمويل وتنفيذ هجمات عن بُعد، مما يتطلب تطوير قدرات استخباراتية رقمية أكثر تعقيدًا.
• الذكاء الاصطناعي: رغم كونه أداة لتعزيز التحليل الاستخباراتي، فإنه يمثل أيضًا تهديدًا إذا استُخدم من طرف خصوم الدولة لتزييف المعلومات أو شن عمليات تضليل واسعة.
• الهجرات الجماعية غير النظامية: التي لم تعد فقط قضية اجتماعية، بل أداة ضغط جيوسياسي تُستغل من بعض الفاعلين الإقليميين.
• إعادة رسم التحالفات الدولية: مع تزايد التنافس بين القوى الكبرى (الولايات المتحدة، الصين، روسيا، والاتحاد الأوروبي)، ما يفرض على المغرب التوفيق بين شراكاته التقليدية وتحالفاته الناشئة
وبالفعل نجح محمد ياسين المنصوري في تحويل DGED إلى جهاز استخبارات حديث بامتياز، قادر على الجمع بين الكفاءة العملياتية، والدبلوماسية الأمنية، والتحديث التكنولوجي. لكن المستقبل يفرض تحديات أعقد تتطلب استمرار تطوير القدرات، وابتكار مقاربات جديدة للتعامل مع عالم تتسارع فيه المخاطر بقدر ما تتبدل فيه موازين القوى.

وقد صنع الأداء المميز للسيد ياسين المنصوري المتغييرات والتحولات الجذرية التي عرفتها الإدارة المذكورة على عهده، بدءا بمكونات مرفق الإدارة / لوجيستيك وأدوات وآليات وإمكانيات مادية ومعنوية وتقتيات حديثة/ وصولا إلى العنصر البشري / بإدماج كفاءات وأطر جديدة، وتطوير للمهارات، ورفع من القدرات الفردية والجماعية، وإعادة وتأهيل برامج التدريب على أقوى وأمهر التقنيات المعلوماتية والاستخباراتية / مرورا بإعادة عملية الانتشار البشري الفاعل والمتفاعل لكافة عناصر الجهاز بجميع جهات ومناطق التواجد مع تحديد الأولويات بالاستناد الى معايير دقيقة بالمناطق الأكثر حساسية وبخاصة تكثيف التواجد البشري لذات الجهاز ببؤر التوتر والصراعات التي تعتبر في حسابات مديرية الدراسات والمستندات “لادجيد”مناطق امتداد وعمق جديدين للأمن القومي للمملكة المغربية، بالإضافة إلى العديد من الإصلاحات الجوهرية التي مست جميع مرافق وآليات عمل الجهاز.

هذه الاستراتيجية الشاملة التي تتأسس على محددات مضبوطة وميكانزمات حديثة مكنت إدارة السيد محمد ياسين المنصوري من قلب كافة المعادلات المحلية والاقليمية والقارية ومن خلالها الدولية بخاصة على مستوى إدارة وتفكيك معطيات الملفات الشائكة والملتهبة والمعقدة، بما في ذلك قضايا الجريمة المنظمة العابرة للقارات وعلى رأسها الإرهاب والهجرة غير النظامية والاتجار في البشر والممنوعات والتهريب والاتجار غير المشروع في السلاح، إلى جانب ضبط خيوط قواعد اللعبة السياسية المتواترة بعدد من دول الساحل والصحراء وشمال غرب أفريقيا، والدول الهشة وغير المستقرة أمنيا، المهددة من طرف الفصائل والجماعات المتطرفة والجماعات المتمردة على السلطات المركزية وكذا مناطق النزاع المسلح في أكثر من بلد إفريقي وعربي وحتى ببعض دول الشرق الأوسط والخليج، على أعتبار أن الاستراتبجية الأمنية / الاستخباراتية التي أسس السيد ياسين المنصوري لقواعدها الكبرى تنهض على بعدين رئيسين، البعد الاول أمني/ استخباراتي وما يتصل به من جمع للمعلومة وتدقيقها وتحيينها وإعادة تصريفها بالاتجاهات المخصصة لها، مع الحرص الشديد على تأمين وحماية تعدد مصدرها بالقدر الذي يخدم صدقيتها ومفعولها وثأثيرها محليا وخارجيا، والبعد الثاني سياسي/ جيو-استراتيجي صرف، ينزع في كليته إلى الجمع بين المؤثرات المباشرة وغير المباشرة لتداعيات الأمن القومي المغربي، من داخل مربعات صنع القرار ببعض الأنظمة في تعاطيها مع الملفات والقضايا التي لها تأثير وعلاقة أفقية وعمودية مع المصالح الكبرى للمملكة المغربية وفي مقدمتها قضية الوحدة الترابية للمغرب. لذلك فهي استراتيجية تزاوج بين الأمني / الاستخاراتي والبعد السياسي لكافة التطورات والأحداث ذات الصلة بمسارات الأمن القومي للمملكة المغربية، مع العناية الفائقة بجميع التفاصيل الدقيقة والجزئية التي قد تكون لها صلة بالشأن المغربي”أمنية/ سياسية/ اقتصادية/استخباراتية/ اجتماعية”. وهي التوجهات البرغماتية التي سطر أبعاها وأهدافها الخارجية والداخلية جلالة الملك محمد السادس لخدمة المصالح العليا للبلاد، كما أنها ذات التوجهات والرؤى الملكية السامية التي يستمد منها السيد محمد ياسين المنصوري أدبيات العناوين الرئيسية المؤطرة لفلسفة استراتيجيته الوطنية الامنية / الاستخباراتية المعتمدة بحس وطني كبير وتفان في خدمة العرش في إدارة شؤون المديرية العامة للدراسات والمستندات.

هكذا هو الرجل، يشتغل رفقة فريقه المصغر والكبير عبر مجموعة من الأقسام والمكاتب والفروع بصمت وسبر لأغوار المسؤولية الوطنية الكبرى، لا يلتفت للعوارض ولا يكترث بالعقبات ولا بالمزايدات، ولا بالصراعات الضيقة التي تدير بعض المؤسسات من زاوية ” الأنا” والتسويق غير الصحيح لبعض البطولات الصغيرة جدا.

السيد محمد ياسين المنصوري، المدير العام للمديرية العامة للدراسات والمستندات، رجل يفضل الحديث بصيغة ولغة العمل، يترك الحصيلة و المكتسبات الوطنية تتحدث عن نفسها بحجم النتائج المحققة على أرض الوطن. رجل ينزل النظرة الثاقبة لرئيس الدولة في كل ما يتصل بالمصالح العليا للبلاد، يتوارى بتواضع راق إلى الخلف، دون السعي وراء تسويق صورة عن هاته الإدارة التي وجدت في الأصل لخدمة المواطن والوطن، هو رجل دقيق الحسابات العملية والإدارية، رزين الخطوات، ولا يقبل بالإخفاقات أو القفز العبثي على أصغر الجزئيات، ويلاحظ المتتبعون لأداء المديرية العامة في عهد السيد ياسين المنصوري أن هامش الأخطاء في عمله ضيق جدا لإدراكه لجسامة المسؤولية باعتباره عين المملكة المغربية لحماية أمن ومصلحة الوطن، فهو رجل مؤمن بحقيقة خدمة بلاده ويخدم العرش العلوي بصدق ووفاء، هو رجل كتوم، متمكن من فهم حدود الممكن وغير الممكن، يدير الجهاز بمنطق العقل والإيمان الثابت والحرص الشديد على احترام حدود الله واحترام خصوصيات الآخرين ، ومدافع شرس عن حقوق وكرامة الوطن والمواطنين تحت شعار ” الله – الوطن- الملك”.

مشاركة المحتوى:

إرسال التعليق

المزيد