الزوايا المغربية بين إشعاعها الروحي ومآزقها المعاصرة.
حديث الروح والجسد مع الباحث ياسين لملس
منذ قرون، شكّلت الزوايا في المغرب ركيزة أساسية في البناء الروحي والاجتماعي للمجتمع، إذ ارتبط ظهورها بالحاجة إلى فضاءات دينية وتربوية تنشر قيم التصوف السني المعتدل، وتكرّس مبادئ الزهد في الدنيا والإقبال على تهذيب النفس. وقد ساهمت هذه الزوايا في توجيه الأفراد نحو السكينة والورع، كما كانت مدارس للتعليم الديني وحصوناً لحماية الهوية الإسلامية في مواجهة الانحرافات العقدية، ولم يكن إشعاعها مقتصراعلى المغرب فحسب، بل امتد ليشمل
دولا في إفريقيا أصبحت تدين بالولاء للملكة المغربية عن طريقها.
فدور الزوايا لم يكن مقتصراً على التربية الروحية فحسب، بل امتد ليشمل نشر العلم والمعرفة، وتأطير الأتباع على قيم التآزر والتكافل الاجتماعي، مما جعلها محوراً مؤثراً في الحياة الدينية والثقافية للمغاربة عبر العصور.
غير أنه خلال العقود الأخيرة ابتعدت بعض الزوايا عن رسالتها الأصلية، فخبت إشعاعها الروحي وتراجعت مكانتها التربوية. ويُعزى ذلك إلى عدة أسباب، منها ضعف التكوين الشرعي، وتغليب المصالح الدنيوية على الاعتبارات الروحية، إضافة إلى الصراعات الداخلية التي أفرزت انقسامات في بعض الزوايا.
الأدهى من ذلك أنّ بعض الزوايا تحولت إلى مؤسسات شبه تجارية أو شركات عائلية، تتوارثها الأسر جيلاً بعد جيل، وتُثار حولها شبهات فساد مالي وإداري، خصوصاً مع تدفق التبرعات الضخمة التي قد تصل إلى ملايين الدراهم دون وجود آليات واضحة للمراقبة أو الشفافية. وهو ما أثار نقاشاً مجتمعياً حول جدوى استمرار هذه الزوايا في صيغتها الحالية، وحول ضرورة إصلاحها وإعادتها إلى أدوارها الروحية والشرعية الأصيلة.
وهكذا، يقف المتابع اليوم أمام مفارقة واضحة: زوايا أشرقت في الماضي بنور التصوف السني والزهد والتقوى، لكنها في الحاضر تواجه تحديات خطيرة تهدد صورتها ومصداقيتها، في حاجة ماسة إلى مراجعة وتجديد حتى تستعيد دورها التاريخي كمنارات للروح والإيمان.
مشاركة المحتوى:

إرسال التعليق