جيل “Z” في الشارع… صرخة ضد حكومة فقدت البوصلة.
بقلم الباحث ياسين لملس
لم يعد خروج شباب جيل “Z” في المغرب مجرد تعبير عابر عن غضب اجتماعي، بل أصبح إدانة سياسية صريحة لحكومة تهاوت وعودها أمام واقع قاسٍ، وانكشف عجزها في أول امتحان حقيقي. هذا الجيل الذي اعتقدت النخب السياسية أنه مشغول بشاشاته و”ترنداته”، قرر أن يترك بصمته في الشارع، في رسالة واضحة: الكرامة قبل الشعارات، والعدالة الاجتماعية قبل الحملات الانتخابية.
الحكومة الحالية بنت خطابها على “الدولة الاجتماعية”، لكنها سرعان ما تحولت إلى حكومة “الأرقام الباردة”، تستقوي بأغلبيتها البرلمانية كأن الديمقراطية مجرد مقاعد تُحسب، لا ثقة تُبنى ولا وعود تُنجز. الواقع أن الديمقراطية ليست أرقاما على ورق، وإنما التزام أمام شعب يئن تحت وطأة غلاء مهول لم يسبق له مثيل.
شبهة تضارب المصالح التي تلاحق بعض الوزراء، وعلى رأسهم رئيس الحكومة، عمّقت قناعة المواطنين بأن الفساد لم يُستأصل بل صار محمياً. الأسوأ أن الحكومة سحبت قانون الإثراء غير المشروع، في إشارة فجة على أن التعايش مع الفساد خيار مقصود، بينما أكثر من 10% من البرلمانيين متابعون أمام القضاء. أي رسالة هذه التي تُوجَّه للشباب غير أن “الريع باقٍ ويتمدد”؟
على المستوى التواصلي، الحكومة تمارس سياسة الصمت، صمت القبور، وكأن معاناة الناس شأن لا يعنيها. وعندما تنطق، فإنها تزيد الطين بلة. تصريح وزير العدل حول ابنه “باه لباس عليه وداه لكندا” لم يكن زلة لسان، بل تكثيفاً لطبقة سياسية متعالية لا ترى في الشعب سوى متفرج على امتيازاتها.
أما رئيس الحكومة، فقد اختار أن يُحوِّل التعيينات الوزارية إلى فضاء لمكافأة مقربيه وموظفيه السابقين، حتى لو كانوا بلا خبرة سياسية ولا كفاءة، كما هو الحال في وزارة الصحة، حيث تتعمق الاختلالات البنيوية وسط انهيار المنظومة الصحية وغياب أي رؤية إصلاحية جدية.
في الأطراف والجغرافيا المنسية، من الجبال إلى القرى النائية، يتفاقم التهميش والإقصاء، ما دفع الساكنة إلى مسيرات غضب متواصلة. وزاد الأمر مأساوية حين فشلت الحكومة في تدبير ملف إعادة إسكان متضرري زلزال الحوز، وكأن الكارثة حدثت في كوكب آخر لا علاقة له بالمسؤولية الحكومية.
جيل “Z” يخرج اليوم لأنه لم يعد يطيق وعوداً فارغة، ولا سياسة محكومة بالمصالح الشخصية، ولا حكومة تضع أصابعها في أذنيها أمام نداءات الشارع. إنهم جيل يرى بوضوح أن السلطة بلا مساءلة تتحول إلى غنيمة، وأن الوقت قد حان لاستعادة المبادرة من يد طبقة سياسية فقدت البوصلة.
هذا الجيل لم يخرج فقط ضد الغلاء، بل ضد نمط حكم يتعايش مع الفساد، يتجاهل المهمشين، ويستفز المواطنين بتصريحات مستهترة. إنها صرخة تقول: الديمقراطية ليست أرقاماً، بل مسؤولية.
وإن لم تفهم الحكومة ذلك فإن الشارع سيتكفل بالتذكير.
مشاركة المحتوى:



إرسال التعليق