جاري التحميل الآن
×

ماكرون ووهْم الندّية مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

ماكرون ووهْم الندّية مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

تشير تطورات العلاقات الفرنسية–الأمريكية في السنوات الأخيرة إلى تراجع ملحوظ في الوزن السياسي لباريس على الساحة الدولية، وهو تراجع ارتبط بشكل مباشر بالخيارات الدبلوماسية التي انتهجها الرئيس إيمانويل ماكرون، لا سيما محاولته اتخاذ موقف مضاد للنهج الذي يقوده الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في إدارة العلاقات الدولية.

فبينما اختارت الولايات المتحدة، تحت قيادة ترامب، سياسة خارجية قائمة على الحسم والضغط المباشر والدفاع الصريح عن المصالح القومية، راهن الرئيس الفرنسي على خطاب سياسي يقوم على معارضة هذا التوجه، وتقديم نفسه كزعيم أوروبي قادر على موازنة النفوذ الأمريكي. غير أن هذه المقاربة، بدل أن تعزز موقع فرنسا، أسهمت في كشف محدودية قدرتها على التأثير الفعلي في موازين القوى الدولية.

وقد بدا الضعف الفرنسي واضحًا في طبيعة الردود الأمريكية، حيث لم تُبدِ واشنطن أي اعتبار خاص لمكانة باريس التاريخية كحليف، بل تعاملت معها كطرف قابل للضغط، سياسيًا واقتصاديًا. ووصل الأمر إلى استخدام أساليب غير مألوفة في العلاقات بين رؤساء دول حليفة، من بينها تعرية الخطاب الفرنسي عبر تسريب أو الكشف عن تواصلات سياسية خاصة، في خطوة عكست اختلال ميزان القوة، وألحقت ضررًا بالغًا بصورة الرئاسة الفرنسية على المستوى الدولي.

سياسيًا، أظهرت هذه المواجهة أن ماكرون أخطأ في تقدير حدود الدور الفرنسي، حين افترض أن الخطاب الإعلامي والطموح الخطابي يمكن أن يحل محل أدوات القوة الحقيقية. ففرنسا، في ظل قيادته، لم تمتلك لا النفوذ الاقتصادي ولا القدرة الاستراتيجية التي تمكّنها من فرض شروطها أو حماية نفسها من الضغوط الأمريكية، خاصة مع التهديدات المتكررة باستخدام الرسوم الجمركية كوسيلة للإكراه السياسي.

ونتيجة لذلك، تضرّرت سمعة فرنسا كدولة وازنة قادرة على التأثير في القرار الدولي، لتبدو في كثير من المحطات طرفًا معترضًا بلا أوراق ضغط، ومعزولًا نسبيًا حتى داخل الفضاء الأوروبي. وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول حصيلة السياسة الخارجية لماكرون، التي انتهت إلى إضعاف موقع بلاده بدل تعزيز استقلال قرارها.

في الخلاصة، تكشف تجربة المواجهة مع إدارة ترامب أن معاكسة السياسات الأمريكية دون امتلاك عناصر القوة اللازمة لا تؤدي إلى تكريس الاستقلالية، بل إلى تآكل المصداقية الدولية. وهي معادلة دفعت فرنسا، في عهد ماكرون، ثمنها سياسيًا، ووضعتها في موقع لا ينسجم مع تاريخها ولا مع طموحاتها المعلنة.
في عالم تحكمه موازين القوة، لا مكان للسياسة الاستعراضية. وماكرون، للأسف، اختار الاستعراض… فكان الثمن سمعة فرنسا.

مشاركة المحتوى:

إرسال التعليق

المزيد