جاري التحميل الآن
×

أوهام القوة: “تحكاك الحلمة على الشراطة” – موازين الردع بين المغرب والجزائر وسيناريوهات المواجهة.

أوهام القوة: “تحكاك الحلمة على الشراطة” – موازين الردع بين المغرب والجزائر وسيناريوهات المواجهة.

عند مقاربة العلاقة الملتبسة بين الجارين المغاربيين، المغرب والجزائر، لا يمكن الاكتفاء بالمنظور التقليدي الذي يحصر الصراع في حدود ترابية أو خلافات سياسية عابرة، بل لا بد من الغوص في الأعماق الجيواستراتيجية التي تحدد ملامح هذه المواجهة الباردة. لقد تجاوزت طبيعة التنافس بين البلدين حدود المناكفات الدبلوماسية والإغلاق الحدودي ليصبح سباق تسلح حقيقياً يعيد تشكيل موازين القوى في المنطقة المغاربية وشمال إفريقيا ككل. غير أن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه بإلحاح يتمثل في مدى قدرة كل طرف على خوض حرب حديثة تتجاوز منطق الأرقام الجامدة لعدد الدبابات والجنود والطائرات، لتلامس جوهر التحولات العميقة التي تعرفها الحروب المعاصرة من تكنولوجيا دقيقة وحرب إلكترونية وذكاء اصطناعي وقدرة على الصمود الاقتصادي. من اللافت للانتباه أن الخطاب الإعلامي الجزائري الرسمي يبالغ في تضخيم القدرات العسكرية للجيش الوطني الشعبي، واصفاً إياه تارة بـ”قوة إفريقيا الضاربة” وتارة بـ”شواكر لافريك” في محاولة لخلق هالة من الردع النفسي، لكن المتتبع لمسارات الصراعات الحديثة يدرك أن هذه الأوصاف أصبحت مجرد شعارات جوفاء في مواجهة الحقائق الملموسة على الأرض.

منذ نهاية الحرب الباردة، شهدت النزاعات المسلحة تحولاً جذرياً، حيث لم تعد الغلبة لمن يملك أكبر عدد من الجنود أو الدبابات، بل لمن يستطيع توظيف التكنولوجيا الحديثة بكفاءة، وتحويل المعلومات إلى قوة نيرانية فورية، وشل قدرات الخصم دون الحاجة إلى احتلال أرضه. هذا التحول يضع علامات استفهام كبرى حول مدى جاهزية الجيشين المغربي والجزائري لخوض حرب من هذا النوع، خاصة في ضوء التجارب الأخيرة في ناغورني قره باغ عام 2020 وأوكرانيا منذ 2022، التي كشفت عن محدودية العقائد العسكرية التقليدية أمام التكنولوجيا الحديثة والطائرات المسيرة والذكاء الاصطناعي. ففي حرب قره باغ، استطاعت أذربيجان المدعومة بالتكنولوجيا التركية والإسرائيلية تدمير منظومات دفاع جوي أرمينية من نوع إس-300 باستخدام طائرات مسيرة انتحارية رخيصة الثمن، مما مهد الطريق لطيرانها المسير لضرب الأهداف البرية بحرية. وفي أوكرانيا، دمرت طائرات مسيرة صغيرة لا يتجاوز ثمنها بضعة آلاف من الدولارات دبابات روسية حديثة تكلف ملايين الدولارات، وفقاً لتقارير المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية.

إن العقيدة العسكرية لأي جيش ليست مجرد خيار تكتيكي يمكن تغييره باستمرار، بل هي نتاج تراكمات تاريخية وتحالفات استراتيجية ورؤية جيوسياسية تتشكل عبر عقود. في هذه النقطة يبرز الاختلاف الجوهري بين النموذجين المغربي والجزائري. فمنذ حرب الرمال عام 1963، مروراً بدعم جبهة البوليساريو وإغلاق الحدود عام 1994، بنت الجزائر عقيدتها العسكرية على أساس المواجهة المحتملة مع المغرب، مستندة إلى المدرسة السوفيتية ثم الروسية التي تتبنى مفهوم الدفاع بالردع عبر التكديس الهائل للأسلحة الثقيلة والمدفعية بعيدة المدى والتشكيلات البرية الضخمة. هذا النموذج أظهر محدوديته القصوى في الحروب الحديثة، كما فضحته الحرب الروسية الأوكرانية التي أظهرت أن الدروع الثقيلة والقيادة الهرمية الصلبة لم تعد مجدية أمام المرونة التكتيكية واللامركزية في اتخاذ القرار. وكما لاحظ الجنرال ديفيد بترايوس، المدير الأسبق لوكالة المخابرات المركزية، في تحليل له بمجلة فورين أفيرز، فإن الجيوش التي تعتمد على الكم مقابل الكيف تواجه مصيراً صعباً في ساحات المعركة المعاصرة.

في المقابل، اختار المغرب منذ عقدين الانفتاح على عقيدة عسكرية غربية تستند إلى مبادئ الحرب الخاطفة والعمليات الجراحية الدقيقة والتحرك السريع للوحدات القتالية. أدرك الاستراتيجيون المغاربة مبكراً أن الحرب القادمة لن تحسمها جحافل المشاة المدرعة، بل القدرة على جمع المعلومات الاستخباراتية آنياً وتحويلها إلى أهداف قابلة للضرب في دقائق، باستخدام منصات متطورة من الطائرات المسيرة والذكاء الاصطناعي والصواريخ الموجهة بدقة متناهية. هذا الإدراك المبكر دفع المغرب إلى تنويع مصادر تسليحه والانفتاح على التكنولوجيا الغربية المتقدمة، وإقامة شراكات استراتيجية مع الولايات المتحدة وفرنسا وإسبانيا، ثم مع إسرائيل بعد توقيع اتفاقيات إبراهيم عام 2020، التي فتحت الباب أمام تعاون أمني وعسكري وتكنولوجي واسع مع الدولة العبرية الرائدة في مجال الطائرات المسيرة والحرب الإلكترونية.

يتجلى هذا الاختلاف بوضوح في هيكلة القوات المسلحة للبلدين. فالجيش الجزائري، ورغم ضخامته العددية التي تجعله أحد أكبر الجيوش في إفريقيا، حيث تشير تقديرات المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في تقرير الميزان العسكري 2024 إلى أن عدد أفراده النشطين يتجاوز 325 ألف جندي مع احتياطي يزيد على 150 ألفاً، ويمتلك ترسانة ضخمة من الدبابات تتجاوز 1700 دبابة معظمها من نوع تي-90 وتي-72 الروسية، إضافة إلى آلاف المدرعات وقطع المدفعية الثقيلة. كما يمتلك منظومات دفاع جوي متطورة مثل إس-300 وإس-400، وطائرات مقاتلة من الجيل الرابع كسوخوي-30 وميغ-29. لكن التجارب الحديثة أثبتت أن منظومات الدفاع الجوي الروسية تظل عرضة للخداع والتشويش والاختراق عندما تواجه تكنولوجيا غربية متطورة تعتمد على الحرب الإلكترونية والطائرات المسيرة الصغيرة التي يصعب رصدها. فقد أظهرت الحرب في أوكرانيا أن منظومات إس-400، التي تعتبر من أكثر المنظومات تطوراً في الترسانة الروسية، تم تدمير عدة بطاريات منها بصواريخ أتاكمز الأمريكية وطائرات مسيرة أوكرانية، وفقاً لتقارير مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن.

هنا يدخل المغرب بقوة من خلال استثماره المبكر والذكي في تكنولوجيا الحرب الإلكترونية والطائرات المسيرة. فالمملكة لم تكتف بشراء الطائرات المسيرة من تركيا كالبيرقدار تي بي 2، أو من إسرائيل كهيرميس وهاروب، بل سعت إلى تطوير قدراتها الذاتية عبر التعاون مع شركات عالمية وبناء صناعة دفاعية وطنية ناشئة. الطائرات المسيرة الانتحارية مثل هاروب الإسرائيلية تمثل تهديداً وجودياً لمنظومات الرادار الجزائرية الثابتة، فهذه المسيرات يمكنها التحليق لساعات طويلة والتعرف على مصادر البث الراداري والانقضاض عليها دون تعريض حياة الطيارين للخطر. في المقابل، تفتقر الجزائر إلى قدرة مماثلة في مجال المسيرات، واعتمادها على المسيرات الروسية والإيرانية محدود من حيث الكم والنوع. المسيرات الروسية مثل أورلان-10 تعتبر بدائية وتعرضت لخسائر فادحة في أوكرانيا بسبب الحرب الإلكترونية الأوكرانية، وفقاً لتقارير المعهد الملكي للخدمات المتحدة في لندن.

ولعل أخطر ما تمتلكه القوات المسلحة المغربية هو نظام راجمات الصواريخ هايمارس الأمريكي، الذي أحدث ثورة في مفهوم المدفعية بعيدة المدى. هذا النظام، الذي أثبت فعاليته المذهلة في أوكرانيا، يمنح المغرب قدرة على ضرب أهداف استراتيجية في العمق الجزائري تصل إلى 300 كيلومتر بصواريخ أتاكمز، بدقة تقل عن ثلاثة أمتار. تخيل القدرة على تدمير مركز قيادة ميداني أو مستودع ذخيرة أو قاعدة جوية أو جسر استراتيجي بصاروخ واحد ينطلق من منصة متحركة لا يمكن رصدها بسهولة. هذه فلسفة الحرب الحديثة التي يتبناها المغرب، بينما لا تزال المدفعية الجزائرية تعتمد على القصف العشوائي بالراجمات الثقيلة مثل غراد وسميرش التي تستهلك كميات هائلة من الذخيرة دون ضمان إصابة الأهداف الحيوية.

غير أن الحروب لا تدار فقط بالجيوش والتسليح، بل بالاقتصاد والقدرة على تحمل التكاليف. وهنا يكمن الخلل البنيوي الأعمق في المعادلة الجزائرية. فمنذ الاستقلال، بنت الجزائر نموذجها الاقتصادي على الريع النفطي والغازي، حيث يشكل قطاع المحروقات 93 في المائة من إجمالي صادرات البلاد ويساهم بـ 60 في المائة من ميزانية الدولة، وفقاً لتقارير صندوق النقد الدولي. هذا النموذج الهش جعل الاقتصاد الجزائري رهينة لتقلبات أسعار الطاقة، وجعل قدرتها على تمويل حرب طويلة مرهونة باستمرار تدفق العائدات النفطية دون انقطاع. الاحتياطيات النقدية الجزائرية انخفضت من حوالي 200 مليار دولار عام 2014 إلى أقل من 60 ملياراً حالياً، بسبب انهيار أسعار النفط وزيادة الواردات واستمرار الدعم الحكومي للسلع الأساسية. في سيناريو مواجهة عسكرية، تستطيع القوات المغربية استهداف البنية التحتية الطاقوية الجزائرية بضربات دقيقة أو طائرات مسيرة انتحارية. أنابيب الغاز، محطات التسييل في سكيكدة وأرزيو، آبار النفط في حاسي مسعود، وموانئ التصدير، كلها أهداف ثابتة لا يمكن إخفاؤها أو حمايتها بشكل كامل. تدمير أي منها قد يؤدي إلى شلل شبه كامل للاقتصاد الجزائري في أسابيع قليلة. كما لاحظ الخبير الاقتصادي الجزائري عبد الرحمان مبتول، فإن “الاقتصاد الجزائري يشبه شجرة كبيرة جذورها في الهواء، أي ضربة لمنشآت الطاقة تسقطها بالكامل”.

أما المغرب، فقد نجح في بناء اقتصاد متنوع يقلص اعتماده على الفلاحة والمواد الأولية. صناعة السيارات أصبحت الأولى في إفريقيا وتنتج أكثر من 700 ألف سيارة سنوياً للتصدير، باستثمارات تتجاوز 10 مليارات دولار من شركات عالمية. قطاع الطيران يصدر منتجات بقيمة ملياري دولار سنوياً. قطاع الفوسفاط، حيث يملك المغرب 70 في المائة من الاحتياطي العالمي، يشكل مورداً استراتيجياً مهماً. إضافة إلى تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج التي تجاوزت 11 مليار دولار سنوياً، والاستثمارات الأجنبية المباشرة، والتحول نحو الطاقات المتجددة. هذا التنوع الاقتصادي، مدعوماً بتحالفات دولية وثيقة مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ودول الخليج، يمنح الرباط هامشاً واسعاً من المناورة والقدرة على الصمود في أي حرب استنزاف اقتصادي.

عند الحديث عن التحالفات الدولية، نجح المغرب في بناء شبكة تحالفات متنوعة مع القوى الكبرى، فهو حليف رئيسي للولايات المتحدة خارج الناتو، وله اتفاقيات تعاون عسكري واستخباراتي وثيقة مع فرنسا وإسبانيا وإسرائيل. هذا التنوع يعني حصوله على أسلحة من مصادر متعددة وتدريبات مشتركة مع جيوش مختلفة. أما الجزائر، فرغم محاولات الانفتاح على الصين، لا تزال مرتبطة بشكل شبه حصري بالسلاح الروسي الذي يشكل أكثر من 75 في المائة من ترسانتها. هذا الارتباط الأحادي يشكل نقطة ضعف استراتيجية، ففي حال اندلاع نزاع قد تجد الجزائر نفسها معزولة دولياً أو تواجه صعوبات في الحصول على قطع الغيار والذخيرة، خاصة مع انشغال روسيا بحربها في أوكرانيا.

الموقع الجيوسياسي للبلدين يلعب دوراً حاسماً أيضاً. الجزائر محاطة بدائرة ملتهبة من التوترات، بحدودها الشرقية مع ليبيا التي تشهد فوضى ميليشيات، وحدودها الجنوبية مع مالي والنيجر حيث تنشط تنظيمات إرهابية مرتبطة بالقاعدة وداعش. هذا الوضع يجبر الجيش الجزائري على نشر قواته على جبهات متعددة، مما يشتت جهده ويحد من قدرته على التركيز في جبهة واحدة. في المقابل، يتمتع المغرب باستقرار أمني نسبي على حدوده، خاصة بعد تطبيع العلاقات مع إسبانيا وتأمين حدوده الجنوبية عبر الجدار الرملي المجهز بأجهزة استشعار وكاميرات حرارية. الاعتراف الأمريكي المتزايد بمغربية الصحراء، وفتح عدة دول قنصليات في العيون والداخلة، يعزز الموقف الاستراتيجي للمملكة ويحرر يدها للتركيز على التهديد الشرقي المحتمل.

هنا لا بد من التوقف عند سلوك الجيش الجزائري خلال السنوات الأخيرة، اذ شهدت الحدود الشرقية للمغرب عدة استفزازات خطيرة من وحدات الجيش الجزائري طالت مدنيين مغاربة عزلاً. في أحداث السعيدية، قامت عناصر جزائرية بإطلاق نار على مصطافين مغاربة كانوا يمارسون رياضة ماءية ، مما أدى إلى حالة و فاة. وفي واحات ايش ومناطق أخرى على الشريط الحدودي، تكررت حوادث إطلاق نار استهدفت رعاة أغنام ومزارعين مغاربة كانوا يمارسون أنشطتهم التقليدية في مناطق آمنة ومعترف بها دولياً كجزء من التراب المغربي. هذه التصرفات تكشف عن عقلية عسكرية لا تزال أسيرة أوهام القوة، وتحاول تصدير أزماتها الداخلية عبر خلق توترات خارجية.

المغرب يقابل هذه الاستفزازات بسياسة الصبر الاستراتيجي، وهو ليس ضعفاً، بل استراتيجية متأنية تمنح الوقت للدبلوماسية والعمل لتحقيق أهدافهما، وتبني في الخفاء قدرات ردع هائلة تجعل أي مغامرة عسكرية مكلفة للغاية. هذه السياسة أثبتت نجاحها في ملفات عديدة، وأهمها ملف الصحراء حيث استطاع المغرب عبر الصبر والدبلوماسية والدعم الدولي أن يحول موازين القوى لصالحه بشكل كبير. في المقابل، يبدو الجيش الجزائري وكأنه يعيش في الماضي، متمسكاً بعقائد بالية، ومبالغاً في تقدير قدراته. هذا الانفصال بين الخطاب الإعلامي الضخم والقدرات الحقيقية هو ما يمكن وصفه بدقة بعبارة “تحكاك الحلمة على الشراطة”.

سيناريو المواجهة المحتملة لم يعد يخضع لمنطق الحروب التقليدية بآلاف الدبابات. التطور التكنولوجي الهائل جعل سيناريو الاجتياح البري المكلف أمراً مستبعداً بالنسبة للمغرب. السيناريو الأكثر ترجيحاً هو حرب الإعماء والشلل، حيث تبدأ العمليات بضربة إلكترونية شاملة تستهدف شبكات الاتصالات العسكرية والمدنية الجزائرية لقطع الصلة بين مراكز القيادة والوحدات الميدانية. بالتوازي، تنطلق أسراب من الطائرات المسيرة لاستهداف بطاريات الدفاع الجوي الثابتة. بمجرد إحداث ثغرة في شبكة الدفاع الجوي، يصبح المجال مفتوحاً لشن ضربات جوية دقيقة تستهدف مراكز القيادة ومستودعات الذخيرة وقواعد التجمع الكبرى. في المرحلة التالية، يتحول التركيز إلى البنية التحتية الاقتصادية، خاصة قطاع الطاقة. ضربة دقيقة لمنشآت الغاز الرئيسية أو لخط أنابيب الغاز العابر للصحراء قد تتسبب في خسائر اقتصادية هائلة وتوقف شبه كامل للصادرات الجزائرية. الاقتصاد الجزائري الهش لا يمكنه تحمل مثل هذه الضربات لفترة طويلة، وسرعان ما سينعكس ذلك على القدرة على مواصلة الحرب.

أما إذا حاولت الجزائر الرد باجتياح بري، فستواجه صعوبة الإمداد عبر مسافات طويلة تحت غارات مستمرة من الطائرات المسيرة على قوافل الإمداد. القوات المغربية المنتشرة على الحدود مهمتها دفاع متحرك، حيث تنسحب أمام التقدم الكبير مع الاحتفاظ بقدرتها على المناورة وشن هجمات مضادة على الأجنحة والمناطق الضعيفة. هذا النوع من القتال يفضح نقاط ضعف الجيش الجزائري المصمم للحرب التقليدية الثابتة، ويكشف محدودية قدرته على التكيف مع حرب العصابات الحديثة التي تخاض بأسلحة متطورة.

في المحصلة، موازين الردع تشهد تحولاً تدريجياً لصالح النموذج المغربي القائم على التنوع والمرونة والانفتاح والتكنولوجيا المتطورة، مقابل النموذج الجزائري القائم على الكم والاعتماد الأحادي والاقتصاد الريعي. هذا التحول لا يعني أن المغرب سيبادر إلى الحرب، بل يعني أنه أصبح أكثر قدرة على حماية خياراته السيادية وردع أي مغامرة عسكرية محتملة.

في الختام، على حكام المرادية تجنب التهور في استخدام القوة، والاعتماد على أوهام التفوق العددي، والاستمرار في استفزاز المدنيين المغاربة على الحدود، هي ألعاب خطيرة قد تخرج عن السيطرة في أي لحظة. المغرب يمارس ضبط النفس اليوم، لكن هذا الصبر له حدود، ولن تبقى الأيادي المغربية مغلولة إلى الأبد أمام الاستفزازات المتكررة. إن هذه “الريح الصفرا” قد تكلف الجيش الجزائري ثمناً باهظاً إذا استمر في المراهنة على معادلات خاطئة، فحروب اليوم لا تدار بالأحجام ولا بالأرقام ولا بالشعارات الإعلامية الرنانة، بل بالدقة والتكنولوجيا والقدرة على الصمود، وكل المؤشرات تؤكد أن المغرب بات يمتلك أدوات الردع الكافية لجعل أي مغامر يعيد حساباته ألف مرة قبل الإقدام على الخطوة الخاطئة. الحكمة تقتضي العودة إلى طاولة الحوار، والانفتاح على مستقبل مغاربي يقوم على التكامل لا التناحر، خدمة لمصالح الشعبين الشقيقين.

مشاركة المحتوى:

إرسال التعليق

المزيد