حين تُفتح أبواب السماء… رمضان مدرسة صوم الجوارح لا صوم البطون.
حديث الروح والجسد مع الباحث ياسين لملس
«إذا كانت أولُ ليلةٍ من رمضان فُتِّحت أبوابُ الجنة، وغُلِّقت أبوابُ النار، وصُفِّدت الشياطين»… حديثٌ نبويٌّ عظيم يرويه محمد ﷺ، يضعنا منذ اللحظة الأولى أمام حقيقة هذا الشهر: إنّه زمن الفتح الإلهي، وفرصة العبور من الغفلة إلى اليقظة، ومن العادة إلى العبادة.
غير أنّ فتح الأبواب لا يعني بالضرورة دخولها؛ فالدخول يحتاج إلى سعيٍ صادق، وإرادةٍ تتجاوز الامتناع عن الطعام والشراب إلى تهذيب السلوك وصيانة الأخلاق. فالصيام الذي أراده الشرع ليس جوعًا مؤقتًا، بل تربيةً ممتدة، ومجاهدةً للنفس في السر والعلن.
وقد جاء التحذير واضحًا في قوله ﷺ: «من لم يَدَعْ قولَ الزور والعملَ به فليس لله حاجةٌ في أن يدع طعامه وشرابه». إنّه ميزانٌ دقيق يفرّق بين صوم الشكل وصوم الجوهر. فقول الزور—كالكذب والبهتان وشهادة الزور—قد يُفسد روح الصيام، ولو بقي الجسد ممسكًا عن المفطرات.
فرمضان مدرسةُ صوم الجوارح قبل صوم البطون:
صوم اللسان عن الكذب والغيبة والنميمة.
صوم العين عن النظر المحرّم وتتبع العورات.
صوم الأذن عن سماع الباطل والخوض في الأعراض.
صوم اليد عن الأذى والظلم.
صوم القلب عن الحقد والحسد وسوء الظن.
بهذا المعنى، يصبح الصيام مشروعًا أخلاقيًا متكاملًا، يعيد ترتيب الأولويات، ويمنح الإنسان فرصة لمراجعة ذاته. فكم من صائمٍ أجهده الجوع والعطش، لكنه لم يُغيّر من طبعه شيئًا! وكم من صائمٍ صان جوارحه، فخرج من الشهر بقلبٍ أنقى ولسانٍ أصدق.فالرهان في رمضان ليس عدد الساعات التي نمسك فيها عن الأكل والشرب ،بل مقدار التحوّل الذي نحققه. أن ننتقل من الامتناع القسري إلى الارتقاء الاختياري؛ من ضبط المعدة إلى ضبط المشاعر؛ من تقليل الطعام إلى تقليل الخطأ.
وحين تُفتح أبواب الجنة في أول ليلة، فذلك إيذانٌ بأن الطريق ميسّر لمن صدق العزم. أما تصفيد الشياطين، فلا يعفي الإنسان من مجاهدة نفسه؛ إذ تبقى النفس أمّارةً إن لم تُهذّب بالذكر والصدق والعمل الصالح.
تأسيسا على ما سبق ،رمضان فرصة سنوية لإعادة بناء الإنسان من الداخل. صيامٌ صحيحٌ يُثمر صدقًا في القول، وعدلًا في الفعل، ورحمةً في التعامل. فمن أراد أن يكون من أهل الأبواب المفتوحة، فليجعل صومه صومَ جوارحٍ وقلبٍ قبل أن يكون صومَ معدةٍ وحلق.
هكذا فقط، يتحول الشهر من طقسٍ موسمي إلى نقطة تحوّلٍ حقيقية في مسار الحياة.
مشاركة المحتوى:

إرسال التعليق