رمضان والرداءة التلفزيونية، هدر المال العام واستخفاف بعقول المشاهدين.
بقلم الحاج المعطي
مع كل موسم رمضاني يتكرر المشهد نفسه: ضجيج إعلاني كبير، ووعود بأعمال “استثنائية”، ثم ما يلبث المشاهد أن يكتشف أنه أمام منتوج تلفزيوني باهت، لا يليق لا بقدسية الشهر الفضيل ولا بذكاء الجمهور الذي يجلس كل مساء أمام الشاشة منتظرًا شيئًا يستحق المشاهدة.
فبدل أعمال تحمل قيمة فنية أو فكرية، يجد المشاهد نفسه محاصرًا ببرامج دون المستوى، وسيتكومات هزيلة تقوم على التهريج أكثر مما تقوم على الكوميديا، ومسلسلات درامية ضعيفة البناء، مفككة الحبكة، وغارقة في الاقتباس إلى حد يكاد يلغي أي أثر للأصالة أو الإبداع. وكأن الهدف لم يعد صناعة عمل فني محترم، بل مجرد ملء ساعات البث بأي مادة كيفما اتفق.
المشكلة هنا لا تتعلق فقط بذوق فني مختلف أو بتجارب إنتاجية قد تصيب أو تخطئ، بل بمنظومة كاملة يبدو أنها استسلمت للرداءة بوصفها خيارًا سهلًا ومربحًا. فالسيناريوهات ضعيفة، والإخراج مرتبك، والتمثيل في كثير من الأحيان أقرب إلى الارتجال منه إلى الأداء المدروس. ومع ذلك تُقدَّم هذه الأعمال للمشاهد على أنها إنتاجات كبرى تستحق المتابعة.
الأكثر إثارة للغضب أن جزءًا مهمًا من هذه الإنتاجات يُموَّل من المال العام بشكل مباشر أو غير مباشر. أي أن المواطن، الذي يقتطع من دخله عبر الضرائب، يساهم في النهاية في تمويل منتوج لا يحترم لا عقله ولا ذوقه. وهنا يتحول الأمر من مجرد رداءة فنية إلى مسألة مرتبطة بتدبير المال العام واحترام حق المشاهد في خدمة إعلامية تليق به.
وحين يتكرر هذا الوضع عامًا بعد عام دون تحسن يُذكر، يصبح من المشروع طرح سؤال بسيط لكنه مزعج: أين تذهب كل تلك الميزانيات؟ وكيف يمكن لأعمال بهذا المستوى أن تستمر في الظهور وكأن شيئًا لم يكن؟ الإجابة التي تتسلل إلى ذهن الكثيرين ليست مريحة: لأن البعض يدير هذه الأموال وهو مطمئن إلى أنه فوق المساءلة، وأن المحاسبة — إن وُجدت أصلًا — نادرًا ما تصل إلى حدها الحقيقي.
هكذا تتحول الرداءة إلى قاعدة، ويصبح سوء التدبير احتمالًا قائمًا، لا بسبب غياب الإمكانيات، بل بسبب غياب الإرادة في فرض معايير واضحة للجودة والشفافية. والنتيجة مشهد سمعي بصري يراوح مكانه، يعيد تدوير الوجوه نفسها والأفكار نفسها، ويقدم للجمهور النسخة نفسها من الخيبة كل رمضان.
رمضان ليس مجرد موسم تلفزيوني لرفع نسب المشاهدة، بل لحظة ثقافية واجتماعية تجتمع فيها الأسر حول الشاشة. ومن حق هذا الجمهور أن يجد أعمالًا تحترم ذكاءه وتخاطب حسه الجمالي، لا أن يُعامل كمتلقٍ يمكن إرضاؤه بأي منتوج سريع الصنع.
إن الاستمرار في إنتاج أعمال ضعيفة بالوتيرة نفسها، وبالميزانيات نفسها، لم يعد مجرد إخفاق فني؛ بل أصبح مؤشرًا واضحًا على خلل أعمق في طريقة إدارة هذا القطاع. خلل لن يتغير ما لم يصبح السؤال عن الجودة، وعن مصير المال المصروف،
مشاركة المحتوى:


إرسال التعليق