جاري التحميل الآن
×

سياسة بلا فكر… أحزاب بلا رجال دولة

سياسة بلا فكر… أحزاب بلا رجال دولة

في المغرب، لم تعد الأزمة السياسية مرتبطة فقط بضعف البرامج أو تراجع الثقة الشعبية، بل أصبحت أزمة نخبة حقيقية تضرب عمق الدولة التمثيلية. فالمشهد الحزبي اليوم يعيش حالة غير مسبوقة من الانحدار الفكري والسياسي والتعليمي، حتى صار البرلمان بغرفتيه، مع كامل الاحترام للقلة القليلة من الكفاءات الجادة، يعكس في كثير من الأحيان صورة مؤلمة عن مستوى التأطير السياسي داخل الأحزاب المغربية.

لقد تحولت الأحزاب، التي كان يفترض أن تكون مدارس للنخب ومصانع للأفكار، إلى فضاءات انتخابية موسمية، تحكمها الحسابات الضيقة والولاءات والمصالح أكثر مما تحكمها الكفاءة أو الثقافة السياسية أو القدرة على التدبير. لم يعد السؤال المطروح داخل عدد كبير من الأحزاب: “من هو الأكفأ؟”، بل “من يملك النفوذ؟” أو “من يستطيع حصد الأصوات؟”.

والنتيجة أن المشهد السياسي المغربي انحدر إلى درجة أصبح معها بعض الوزراء أقرب إلى العبث التدبيري منهم إلى رجال الدولة. بل إن بعضهم لا يملك الحد الأدنى من التكوين السياسي أو الإداري الذي يسمح له بفهم تعقيدات القطاعات التي يشرف عليها. كيف يمكن لمن لا يمتلك رؤية، ولا ثقافة سياسية، ولا تجربة تدبيرية، أن يقود وزارة تمثل ملايين المواطنين ومليارات الدراهم من المال العام؟

لقد جرت العادة في المغرب، لعقود طويلة، أن يُختار الوزير لحنكته السياسية وكفاءته التدبيرية وقدرته على تحمل مسؤولية الدولة. لأن الوزارة ليست مجرد غنيمة حزبية أو مكافأة انتخابية، بل منصب إداري وسيادي قبل أن يكون سياسياً. الوزير الحقيقي كان رجل دولة، يمتلك شخصية القرار، وعمق الفهم، وهيبة المسؤولية.

أما اليوم، فقد أصبح من الممكن أن يصل إلى مناصب القرار أشخاص يفتقرون إلى الكفاءة العلمية، وإلى الحد الأدنى من الثقافة السياسية، فقط لأن التوازنات الحزبية فرضتهم أو لأن منطق الولاء الحزبي أصبح أقوى من منطق المصلحة الوطنية.

وأخطر ما عرفته المملكة المغربية منذ تنزيل دستور 2011 هو أن عدداً من الأحزاب تعامل مع روح الدستور بمنطق الغنيمة لا بمنطق الإصلاح. فبدل أن يشكل الدستور فرصة لترسيخ الكفاءة وربط المسؤولية بالمحاسبة، تحول في بعض الأحيان إلى مظلة لتكريس الرداءة السياسية وإضفاء الشرعية على تعيينات لا تعكس مستوى انتظارات المغاربة.

لقد أصبح من الممكن اليوم تعيين شخص عديم الكفاءة، وضعيف المستوى التعليمي والسياسي، وزيراً رغم أنف المغاربة، فقط لأن الحسابات الحزبية اقتضت ذلك. وهذه ليست فقط أزمة أحزاب، بل أزمة تهدد ثقة المواطن في السياسة نفسها، وتدفع فئات واسعة من المجتمع إلى النفور من العمل السياسي والمؤسسات المنتخبة.

إن المغرب لا يعاني من نقص في الكفاءات، بل من أزمة في آليات اختيار النخب. فالدولة التي تضم آلاف الأطر والكفاءات داخل الجامعات والإدارات والقطاع الخاص، لا يمكن أن تقبل بأن يصبح تدبير الشأن العام رهينة لمنطق الولاءات الحزبية والصفقات الانتخابية.

المغرب اليوم يحتاج إلى إعادة الاعتبار للسياسة النبيلة، وللكفاءة، وللفكر، وللرجل والمرأة القادرين على إدارة الدولة بعقلية المؤسسات لا بعقلية الغنيمة. لأن استمرار هذا الانحدار لا يسيء فقط إلى صورة الأحزاب، بل يهدد ثقة الأجيال القادمة في معنى الدولة نفسها.

مشاركة المحتوى:

إرسال التعليق

المزيد