بنكيران من الإفلاس السياسي إلى الإفلاس الأخلاقي
بقلم عبد الرزاق الحارثي
ثمة شخصيات سياسية لا تعرف من السياسة إلا ضجيجها، ولا تتقن من الخطاب العام إلا لغة التجريح والإهانة. شخصيات تتعامل مع المنابر الإعلامية وكأنها ساحات للمشاجرات، فتقذف خصومها بأقسى الأوصاف، وتوزع الاتهامات يميناً ويساراً، غير عابئة بأخلاق الحوار ولا بمسؤولية الكلمة.
الأمين العام للعدالة و التنمية يمثل هذا النموذج من السياسيين فهو ملا يبني رصيده على الإنجاز، بل على إثارة الجدل. كلما خفت بريقه، أشعل معركة جديدة. وكلما ضاقت به الحجة، فتح أبواب الشتيمة والسخرية والتنمر. لا يناقش الأفكار بقدر ما يستهدف الأشخاص، ولا يرد على النقد بالحجج بقدر ما يرد عليه بالإهانات.
المفارقة أن من يرفعون شعارات الشفافية والوضوح هم أنفسهم من يبرمون التفاهمات في الخفاء، ثم يتحولون فجأة إلى قضاة وجلادين عندما تتغير المصالح. بالأمس كانوا حلفاء وشركاء، واليوم يخرجون إلى العلن لفضح ما جرى في الغرف المغلقة، وكأن الأسرار التي كانوا جزءاً منها أصبحت فجأة جرائم لا تغتفر. إنها انتقائية سياسية فجة، لا تحكمها المبادئ بل تحركها الحسابات الضيقة.
مثل هذا السياسي لا يتردد في السخرية من المواطنين، ولا يجد حرجاً في الاستهزاء بمخالفيه، ولا يرى بأساً في تلويث الفضاء العام بكلمات كان يفترض أن تبقى بعيدة عن خطاب رجل يفترض أنه يمثل الشأن العام. إنه نموذج يجعل من الوقاحة أسلوباً، ومن الاستفزاز برنامجاً، ومن الإثارة بديلاً عن العمل الجاد.
والحقيقة أن أخطر ما في هذه الظاهرة ليس ما يقال فحسب، بل ما تزرعه من انحدار في الثقافة السياسية. فعندما يتحول السب إلى وسيلة للنقاش، والتشهير إلى أداة للعمل السياسي، يصبح المشهد العام رهينة للضجيج، وتضيع القضايا الحقيقية وسط دخان المعارك الشخصية.
السياسة ليست اختباراً لقدرة اللسان على إطلاق الإهانات، بل امتحان لقدرة العقل على الإقناع. أما الذين يعتقدون أن ارتفاع الصوت يغني عن قوة الفكرة، وأن الشتيمة تعوض غياب الإنجاز، فإنهم لا يخدمون الديمقراطية ولا الحياة العامة، بل يساهمون في إفسادها وإغراقها في مستنقع الفتنة.
مشاركة المحتوى:



إرسال التعليق