اتقِ الله يا بنكيران… فالوطن أكبر منك والكلمة أمانة
بقلم الحاج المعطي
ليس أخطر ما يصيب الحياة السياسية اختلاف الرؤى أو تضارب المصالح، وإنما أن ينحدر الخطاب العام إلى مستوى السخرية من المنتقدين والاستخفاف بالمخالفين. فحين يصبح السياسي إن كان سياسيا حقيقة، أسيراً لانفعالاته، يفقد جزءاً من هيبته، وحين يستبدل الحجة بالعبارة الجارحة، فإنه يضعف موقفه أكثر مما يقويه.
لقد رأى كثير من منتقدي عبد الإله بنكيران زمن الربيع الإسلامي أن لغته السياسية اتسمت، في كل المناسبات، بحدة غير مبررة تجاه خصومه ومعارضيه، وأن حضوره الخطابي الطاغي كان ينزلق دائما من دائرة الجدل السياسي إلى دائرة التهكم الشخصي. والمفارقة أن من يستند إلى مرجعية إسلامية يفترض أن يكون أكثر حرصاً على تهذيب اللسان وضبط الكلمة.
مهم جدا أن نذكر تاييد بنكيران الذي يصف خلق الله بالاستهزاء بكلمة المخلوقات او التهكم على خلق الله بكلمة “مبخي ” ، بقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَىٰ أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ… وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ [الحجرات: 11]. وهي آية لا تخاطب عامة الناس فحسب، بل تتوجه أيضاً إلى كل من يتصدر الشأن العام، لأن تأثير كلمته يتجاوز حدود المجلس إلى تشكيل ثقافة المجتمع بأسره.
إن الزعامة السياسية يا بنكيران ليست رخصة للتعالي على المنتقدين، ولا تفويضاً أخلاقياً لتصنيف المخالفين وفق معايير الولاء والخصومة وهي ليست رخصة للخلود الدنيوي.
فالسياسي الحقيقي يا بنكيران ومن معك من غرارينك هو من يحسن إدارة الاختلاف، لا من يحول كل اعتراض إلى معركة شخصية.
واذكرك في هذا الباب كيف جاء التوجيه القرآني واضحاً في قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: 83]. فلم يقل القرآن: وقولوا لحلفائكم حسناً، بل جعل حسن الخطاب قاعدة عامة تشمل الجميع، لأن الأخلاق لا تتجزأ بحسب المواقف السياسية.
إن قوة الخطاب لا تقاس بارتفاع الصوت، ولا بقدرة صاحبه على إضحاك أنصاره على حساب خصومه بقهقهات أقرب إلى بعض الحيوانات بل بقدرته على الإقناع واحترام العقول. أما تحويل المنابر السياسية إلى ساحات للتندر والسجال الشخصي، فهو إفقار للنقاش العمومي وإساءة إلى قيمة العمل السياسي نفسه.
وأذكرك ان نفعتك الذكرى أن القرآن حث المؤمنين على الحسنى بقوله: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: 34]. فإذا كان هذا هو المنهج مع من بينك وبينه عداوة، يا بنكيران فكيف يكون الحال مع مواطنين يمارسون حقهم المشروع في النقد والمساءلة؟
إن النقد ليس خيانة، والاعتراض ليس عداءً شخصياً. ومن يتولى قيادة حزب سياسي عليه أن يدرك أن احترام المخالفين ليس ضعفاً، بل دليل نضج وثقة بالنفس. أما الانفعال والغضب واستعمال العبارات الجارحة، فقد تحقق انتصاراً عابراً في لحظة خطابية، لكنها تترك جرحاً عميقاً في الوعي الجماعي وتسيء إلى صورة الممارسة الديمقراطية.
ويبقى المبدأ القرآني الجامع حاكماً لكل من يتصدر الشأن العام: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18]. فالكلمة مسؤولية، واللسان أمانة، والتاريخ لا يحفظ فقط ما أنجزه السياسيون، بل أيضاً الطريقة التي خاطبوا بها الناس عندما اختلفوا معهم.
اتق الله يا بنكيران فالوطن أكبر منك و الدولة أكبر منك و الشعب أكبر منك.
مشاركة المحتوى:



إرسال التعليق