دور إمارة المؤمنين في ترسيخ الثوابت الدينية في إفريقيا.
بقلم الباحث ياسين لملس
تتفق الشريعة الإسلامية مع الشرائع السماوية الأخرى في حفظ الكليات الخمس: الدين، النفس النسل، العقل، المال، مع أولوية حفظ الدين باعتباره أساس الكليات، والحكمة من خلق البشرية، فالشريعة تهتم بناء الدولة ووجوب طاعة ولي الأمر للحفاظ على وحدة الأمة ومنع الفرقة، فالإمام أو أمير المؤمنين له مكانة خاصة في السياسة الشرعية لحراسة الدين وتطبيق أحكامه، وهو نظام استمر منذ عهد الخليفة عمر بن الخطاب واستمراره بشكل متفاوت عبر التاريخ.
في المغرب قام الأشراف العلويون عبر التاريخ في الحفاظ على الدين والملة ونشر الخير والعدل، وإرشاد الناس للطريق الصحيح وفق ثوابت دينية راسخة وتواصلت هذه الجهود في عهد محمد السادس، وقد وجدت إمارة المؤمنين في إفريقيا أرضية خصبة لنشر هذه الثوابت بجهد معرفي كبير.
فإذا کانت علاقة المملكة مع افريقيا تتميز بتنوعها وتعددها في العديد من المجالات فهي تعتمد كذلك على عمق ديني عميق، الأمر الذي يضفي عليها بعدا روحيا كبيرا، يعتبر من أهم ما يميزها عبر التاريخ، كانت هناك روابط رو حية ودينية قوية بين المغرب وإفريقيا، الشيء الذي أدى إلى تفاعل حضاري وثقافي بين شعوب ضفتي الصحراء، وساهم في تشكيل الثقافة الافريقية من خلال انتشار الطرق الصوفية، انطلاقا من مراكزه الثقافية إلى إفريقيا جنوب الصحراء، كانت هذه الزوايا، تجسيدا للروابط الثقافية العميقة بين الطرفين واليوم يظهر التعلق الصوفي والارتباط بالتصوف المغربي في العديد من دول القارة خاصة في غرب إفريقيا. فاهتمام إمارة المؤمنين بتطوير العلاقات الافريقية هو الذي شجع وسهل للعلماء المغاربة الدخول إلى بلدان إفريقيا لنشر المعرفة والثقافة والدين.
و في هذا السياق ذكر الدكتور مهد الغربي في كتابه “بداية الحكم المغربي للسودان الغربي” عدد من العلماء المغاربة الذين زاروا إفريقيا لنشر العلم، ومن بينهم محمد بن عبد الكر يم المقبلي، وأبو القاسم التواقي، والشيخ محمد القوري، الذي كان تلميذا للإمام أحمد زروق الفاسي، الذي هاجرت أسرته إلى المغرب، وذاع صيته في العلم ،ثم انتقل إلى إفريقيا ناشرا للعلم والتربية الصوفية، ومن بين هؤلاء العلماء، القاضي عبد الله بن أحمد الزموني، الذي كان مشهورا بتفسيره لكتاب الشفاء، وقد تلقى العلم على يديه عدد كبير من علماء مالي ،وكذلك عبد الرحمان القصري الذي استكشف أرجاء إفريقيا، ونشر المعرفة والتوجيه الديني حتى دخل الهدف الرئيسي مثل كانو وكشنة في نيجيريا، وحدث بمحضر ملوكهم وأجلسوه للتحدث على الفرش الرفيعة و حلوه بالصلات، و الحماية الجزيلة وبعد جولته في بلاد الهوسا على عاد إلى فاس وتولى منصب الإفتاء حتى وفاته عام 956.
فعناية واهتمام إمارة المؤمنين بترسيخ الثوابت الدينية لم تنقطع حتى يومنا هذا، ويتجلى ذلك في عدة مشاريع علمية أقامها وقوى دعائمها أمير المؤمنين محمد السادس كإحداث مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة وهي مبادرة تهدف إلى توجيه جهود العلماء في المغرب وباقي الدول الأفريقية لتعزيز قيم التسامح، وتشجيع الأبحاث والدراسات في مجال الفكر والثقافة. ومنها أيضا، تكوين طلبة العلم من عدة دول إفريقية بمعهد محمد السادس لتكوين الأئمة المرشدين، والمرشدات، وكذلك توزيع الملايين من نسخ المصحف المحمدي، وإيصاله إلى مساجد ومعاهد العلم بإفريقيا.
هذا بالإضافة إلى تشييد وبناء العديد من المساجد بالدول الإفريقية. وبهذا يتبين أن إمارة المؤمن حملت على عاتقها عبر التاريخ المسؤولية الشرعية لنشر العلم والدين والمعرفة في إفريقيا. مما أدى إلى إشعاع روحي قوامه التسامح والاعتدال.
مشاركة المحتوى:



إرسال التعليق