الطالبي العلمي والسكوري.. أوهام السيادة وأكاذيب الأرقام.
قلم المرسول مع الأستاذ عبد المنعم الكزان
جان جوريس: عندما يفقد المواطنون الثقة في المؤسسات، يصبح الشارع برلمانهم الوحيد.
الأسبوع الذي عرفناه كان مشحونا بالأحداث السياسية والإجتماعية مع الإعلان عن الإضراب العام يومي 5 و6 فبراير الماضي، هذه الصرخة الإحتجاجية وإن جاءت دون أخد الوقت الكافي للتعبئة، وبعد عقود من آخر إضراب عام، كانت صرخة في وجه حكومة تريد الإجهاز على حقوق الطبقة العاملة، بحيث يمكن القول أنه عودة للأخد بزمام المبادرة في تقرير مستقبل الطبقة العاملة.
حكومة أليغارشية ريعية، فهي بعيدة كل البعد أن تكون حكومة رجال الأعمال الكفاءات لأن رجال الأعمال الحقيقيون هم اللذين ينتجون فائض القيمة ويوفرون بيئة آمنة للإستثمار و ليس من يستفيدون من ريع الإحتكار. كما أن هذه الحكومة لا زالت تتشبث برؤيتها القاصرة للديمقراطية ومفهوم السيادة والتخوين، كما حاول الطالبي العلمي “بسنطيحته ” أن يصف به النقابات، في انتهاك صريح لإستقلالية السلطة التشريعية عن السلطة التنفيذية، و كما يحاول أن يحتكر يحتكر الوطنية و الغيرة على العمل البرلماني ، الخيانة الحقيقية هي غياب لامبالاة البرلمانين وغيابهم عن هذه المحطة الهامة المناقشة والتصويت على هذا المشروع أما إنسحاب المستشارين فهو تعبير عن موقف سياسي.
لطالما دافع جلالة الملك منذ إعتلائه عرش أسلافه وحتى عندما كان أميرا عن الديمقراطية التشاركية، ولطالما دعا إلى تعميقها بإعتبارها السبيل الوحيد من أجل خلق التوازن المفقود في الديمقراطية التمثيلية، لكن هذه الحكومة لم تنجح في عكس الإرادة الملكية بهذا الخصوص، والتي دائما ما يدافع عنها في خطبه، وجميع المحطات الكبرى بدءا من المبادرة الوطنية للتنمية البشرية والنموذج التنموي وإنتهاءا بالدستور بإعتباره أسمى ميثاق للأمة.
يجب أن يعلم الطالبي العلمي أن الديمقراطية التمثيلية حتى وإن شارك فيها جميع البرلمانيين بدون إستثناء بما فيهم الموتى لا يمكن أن تحقق السيادة الوطنية، لأن السيادة الوطنية لاتحقق بصناديق الإقتراع فقط، بل تعني أيضا العدالة الإجتماعية والمساواة.
في دولة مثل الولايات المتحدة الأميركية يعتبر أداء الضرائب جوهر المواطنة، وعندنا في هذا الوطن السعيد ربما الترقية السياسية تتناسب طردا مع حجم الضرائب المتهرب من دفعها، المفكر بيير بورديو أشار “إلى أن الديمقراطية تصبح شكلا فارغا عندما تسخر لخدمة القوى الإقتصادية المسيطرة” ففي عملية إنتخابية قيل عنها الشيئ الكثير من طرف عدة أمناء وقيادات سياسية، هاهي تستغل الآن لتكريس هيمنة الألغرشيات الريعية على القرار السياسي، متجاهلة مطالب الشعب.
أما يونس السكوري، والذي يتحدث عن النجاح الباهر للأغلبية في تمرير قانون الإضراب، في رؤية أقل ما يمكن أن يقال بشأنها أنها رؤية تسطيحية للأشياء، إذ يتحدث قلة أعداد المشاركين في الإضراب وينسى أن البطالة نفسها شكل من أشكال الإضراب القسري، حيث تشير أرقام المندوبية السامية للتخطيط، أن ربع المغاربة عاطلون عن العمل كما أن العلاقة بين الباطرونا والعمال في القطاع الخاص لا تزال مختلة، مما يصعب معه معرفة حتى عدد العمال فما بالك بعدد المضربين وغير المضربين، لكن واقع الأشياء يعكس واقعا لا يبشر بخير، إنه تجاهل مقصود لحقائق صارخة يعيشها الشعب المغربي بشكل يومي، خوسيه إي غاسيت قال يوما : الإنسان هو نفسه ظروفه ، وإذا لم ننقذ ظروفه لن ننقده، فكيف لهذه الحكومة التي تتجاهل ظروف الشعب أن تدعي الدفاع.
وعلى ذكر هذه الظروف الكارثية التي صنعتها هذه الحكومة، جاءت زيارة صديق من الولايات المتحدة الأميركية متزامنة مع الإضراب لتفتح أعيننا على فراغ الصرافات البنكية الآلية، ليبقى العديد من المغاربة عاجزون عن قضاء أغراضهم في مجتمع لا زال الشعب لا يعترف إلا “بفلوس كاش “. وبما أن ألغارشية الريع لا تفكر بعقلية من ينتجون فائض القيمة، فهي لا يهمها أن إضراب يومين في القطاع البنكي يمكن أن يكلف الدولة على الأقل 250 مليون دولار، دون الحديث عن إختلال مؤشر الثقة في مجال الاستثمار.
ورغم الإعتراف بأن النقابات متكلسة وبيرقراطية ورغم الإنتقادات التي يمكن أن نوجهها فيما يخص الديمقراطية الداخلية، فإنها أثبتت أنها لا زالت قادرة على الحشد والتعبئة في وقت قياسي، كما يجب أن نعترف أيضا أنها استطاعت أن توحد صفوفها في وقت قياسي وتوجه رسالة واضحة للحكومة التي لا تزال متجاهلة مطالب الشعب، أن الحكومة لم تتعلم من دروس التاريخ في ظل هذه المآسي !!! فهل تنتظر أن تتحول الأمور إلى مهزلة ؟
لقد جربت الحكومة نفسها بمرارة إضرابات التنسيقيات لكنها لم تستفد كذلك من هذه الدروس، بحيث تعتقد أن الإضراب هو يومين وانتهى الأمر و كأن شيئا لم يكن، إن هذا الإضراب هو مؤشر حقيقي على حالة الإحتقان السياسي والإجتماعي، فإما أن تستجيب للمطالب قبل فوات الأوان وإما أن تتحمل مسؤوليتها التاريخية في زمن أصبح فيه الغضب الشعبي أسرع انتشارا من تصريحات المنصات بعد المجلس الحكومي.
مشاركة المحتوى:



تعليق واحد