بيتاس وخطاب التبريرات في مواجهة واقع الأزمات.
قلم المرسول: بقلم الأستاذ عبد المنعم الكزان.
العدالة هي أن تعامل الإنسان كغاية، وليس كوسيلة.
أسس ميتافيزيقا الأخلاق لإيمانويل كانط بتصرف.
في لحظة استثنائية تعكس عمق تواصل بين الملك والشعب، فاجئ جلالة الملك محمد السادس وولي العهد الأمير مولاي الحسن أول أمس ساكنة يعقوب المنصور بالرباط قبل إفطار رمضان ، بجولة لقيت ترحيبا واسعا من قبل المواطنين، حيث لم تكن حدث عابر بل كانت رسالة قوية تذكر المغاربة بأن الملكية قريبة من قضاياهم، الفرح الذي عم المواطنين بهذه الجولة التي تجسد العلاقة الوثيقة بين العرش والشعب، يعكس علاقة تتجاوز السياسة لتلامس الحياة اليومية للمواطنين، في ظل الأزمات الإقتصادية والإجتماعية.
تبرز هذه اللحظات كمنارة أمل تخفف من وطأة المعاناة على المواطنين ، هذه العلاقة بين الملك والمواطنين تعكس أيضا اعتبارها صمام أمان في منطقة تشهد اضطرابات سياسية واقتصادية ،لتبقى المملكة المغربية من الدول القليلة التي تحافظ على استقرارها بفضل هذه العلاقة المتينة.
إن إهابة جلالة الملك بعدم القيام بشعيرة ذبح أضحية عيد الأضحى أيضا ،كانت خطوة استثنائية تحمل في طياتها بعدا دينيا وإنسانيا وسياسيا ،بحيث لم يكن هذا القرار مجرد إلغاء لشعيرة دينية، بل رسالة واضحة بدور المؤسسة الملكية كحامية للمواطن في وجه جشع المضاربين حيث تحول بعض أغنياء الإحتكار و الأزمات بقدرة قادر إلى كسابة رغم أنهم لا يعرفون حتى الفرق (لخروف ولخروفة، أو الحولي الثي والرباعي)، وعسى أن تكون هذه الإهابة الملكية درسا للحكومة في فهم الأدوار التي يجب أن يضطلع بها المسؤول الحكومي في حماية المواطنين من التقلبات الإقتصادية التي تهدد استقرارهم المعيشي، بدل قلب للدروس الكانطية في أبجديات الحداثة لحكومة تدعي أنها ليبرالية وحداثية وتدافع عن العدالة العدالة الإجتماعية حيث أن هذه الحكومة أصبحت تعامل الإنسان المغربي كوسيلة للوصول إلى السلطة و بعد ذلك الإغتناء بعد ذلك من معاناته حاجياته الأساسية، وليس كغاية في حد ذاته.
تدخل جلالة الملك جاء في لحظة تصاعدت فيها معاناة المواطنين من ارتفاع تكاليف المعيشة ، في الوقت الذي لا تفكر الحكومة إلا في إغناء الألغرشيات دون أن تقدم أي حلول لمعاناة الشعب، المخطط الأخضر الذي طالما تشدقت هذه الحكومة بنتائجه الإيجابية، حيث كان من المفترض أن يكون اللبنة الأساس في تحقيق الأمن الغذائي والاستدامة الفلاحية على المستوى الإستراتيجي، تحول إلى سراب ومثال واضح على زيف الوعود رغم إنفاق ملايير الدراهم منذ انطلاقته 2008، بحيث لم يتمكن من تحقيق إلا ٪22 أهدافه حسب تقرير المجلس الأعلى للحسابات، بل الأدهى من ذلك أن المغرب أصبح يستورد اللحوم والزيت إضافة إلى الحبوب، فعن أي فائض في الإنتاج نتحدث ؟ والحال أنه حتى “الخبز و الزيت ” باعتباره شعار الطبقات المسحوقة لم تتمكن هذه الحكومة من تحقيق الإكتفاء الذاتي منه محليا، وكأنها تنتظر من الطبقات المسحوقة تعويض “الخبز وتاي”بالبسكوي، كما أن هذا المخطط لم يتمكن من خلق طبقة فلاحية متوسطة وتقليص الفوارق بين الفلاحين ،مما يطرح تساؤلات حول جدوى هذا المخطط الأخضر أصلا ؟
لقد فشل المخطط الأخضر في تحقيق أهدافه ،بحيث ارتفعت نسبة الواردات من المواد الأساسية كالحبوب و القطاني ثم اللحوم و الأن زيت الزيتون مما يعكس عمق الأزمة في بلد يفترض أن يكون بلدا فلاحيا صارت المملكة تستورد أكثر من نصف احتياجاتها الغذائية مما يجعلها عرضة لتقلبات السوق الدولية، وهي نسبة تشكل كابوسا ورعبا حقيقيا توضح مدى التبعية للخارج في تأمين التغذية للمغاربة، هذا بالإضافة إلى تصدير منتجات تستهلك كميات كبيرة من الماء في دولة تعاني فرشتها المائية من الإجهاد المائي ( كالدلاح، والأفوكا)، الشيئ يفاقم ندرة المياه ،ويطرح تساؤلات حول كون أعضاء هذه الحكومة يعيشون في المغرب أم يعيشون في دولة أخرى ؟
ومع كل هذه الإشكالات التي يعاني منها المخطط الأخضر والذي يحتاج معه إلى الرقابة البعدية و تقييم حقيقي من طرف جميع المتدخلين مما يسهم بناء مخطط فلاحي جديد على أرضية صلبة ، إضافة إلى محاسبة كل من أخل بمسؤولياته وتسبب في هذه الأزمة.
خرج الأسبوع الماضي مصطفى بيتاس للدفاع عن رئيس الحكومة باعتباره من تحمل مسؤولية القطاع الفلاحي طيلة عقد ونصف من الزمن إلى جانب الوزيرين اللذان أتوا بعده ،في حين كان عليه قبل كل شيئ التنويه بإهابة جلالة الملك، ثم بعد ذلك العمل الجبار التي قامت به السلطات الأمنية المغربية في تفكيك الخلايا الإرهابية الموالية لتنظيم داعش في الساحل الإفريقي ،بعتباره عمل يظهر كفاءة الأجهزة الأمنية المغربية في مواجهة التهديدات الإرهابية التي تهدد المحيط الإقليمي بكامله، كما أنه لابد أن ننبه مصطفى بيتاس بمناسبة حديثه عن إنتاج الهيدروجين الأخضر بضرورة تسريع إعداد البنية التحتية لهذه المشاريع حتى لا تضيع الإستثمارات و الملايير مجددا، وهي البنيات المرتبطة بتحلية ماء البحر، وأيضا البنيات المرتبطة بالطاقة، وعليه لابد من إنقاذ مايمكن إنقاده من محطة نور 3 للطاقة الشمسية بورززات على الأقل حتى تتمكن مشاريع إنتاج الهيدروجين الأخضر من تحقيق النتائج المرجوة بتكلفة طاقية أقل ،وحتى لا يعاني المواطنين المغاربة وعدة قطاعات أخرى لاقدر الله من الأزمة الطاقية ومالها من تداعيات اقتصادية واجتماعية تنضاف إلى إخفاقات المخطط الأخضر.
وفي ظل هذه التحديات تبقى تدخلات المؤسسة الملكية تذكيرا بأن هناك من يسمع صرخات الشعب و يخفف من معاناته. الفرح الذي عم شوارع يعقوب المنصور هو اشراقه أمل، بحيث أنه رغم كل الصعوبات يجد المغاربة في الملكية مصدرا الطمأنينة والإستقرار، ومع ذلك تبقى الحكومة مطالبة مجددا بإعادة النظر في سياساتها وخطابها الرسمي، مما يسهم في معالجة قضايا المغاربة، فلا معنى للتغني بالعدالة الإجتماعة و تنمية و ارتفاع في معدل النمو من دون أن ينعكس على الشعب.
مشاركة المحتوى:



إرسال التعليق