جاري التحميل الآن
×

“عصر اللاشيء” الحداثة تخلف وعدها في عصر الضلامية الرقمية.. قراءة في مقال الأستاذ محمد الكحص.

“عصر اللاشيء” الحداثة تخلف وعدها في عصر الضلامية الرقمية.. قراءة في مقال الأستاذ محمد الكحص.

كيف نستعيد إنسانيتنا في عالم يجردنا من إنسانيتنا يوما عن يوم ؟ كيف نفسر فشل التطور التكنولوجي والتقني في تحقيق الحلم الموعد بالتنوير؟ ألم تقودنا التطورات التكنولوجية إلى الظلام بدل التنوير؟ كيف أخلفت الحداثة في شقها المادي عهدها بتحريرنا كبشر؟ وكيف أصبحت التكنولوجيا، الرقمنة، التقنية، أداة استرقاق والإستلاب بدلا أن تكون أداة تحرر؟ ألا يعني هذا الأمر أننا نشهد نكوصا إلى النظام الإقطاعي في عصر تهيمن فيه أقلية على العالم بسبب التحولات التقنية؟ وكيف تحول الإنسان إلى بضاعة في سوق الرأسمال الرقمي؟ وكيف أصبحت صيرورة الزمن تقاس (بلايكات، والمشاركات، والتكبيسات…) بدل قياسها بإعداد المشاريع و مدى فعالية الإنسان في التاريخ؟ وكيف جردت التحولات الرقمية الفن والفكر والسياسة من عمقها الإنساني كيف؟ وكيف يمكن استرجاع قيمنا الإنسانية من تضامن وعدالة في عصر تحول فيه أفراد المجتمع إلى مجتمع الأفراد الذي أصبح الناس يمتلكون ثقافة الفرجة السلبية؟ ما السبيل للخروج من هذا المأزق الحضاري وإنقاد إنسانيتنا؟ لماذا تقدم لنا للتكنولوجيا بأنها وعد بالتنوير رغم تأثيرها المرعب على الأرض والإنسان؟ كيف يمكن تفسير هذيان البشر وهو يتجه نحو حتفه مغيبا في إنتشاء؟ ثم كيف أصبح واقعنا وهما نتيجة الرقمنة؟ وكيف يمكن الجمع بين التكنولوجيا والأخلاق ؟ وهل الصراع بين التكنولوجيا والأخلاق أصبح أمرا محتوما ؟

ربما هذه هي الأسئلة الإشكالية التي إنطلق منها الأستاذ محمد الكحص في مقاله المعنون ب “عصر اللاشيء” المنشور في جريدة الأحداث ليوم 18مارس 2025 بحيث مع عمق الإشكالات الفلسفية التي انطلق منها الأستاذ الكحص بإعتباره مثقف نهم ومهوس بالقراءة، أسئلة مثقف عضوي يعيش واقعه وواقعنا جميعا في عصر هيمنت فيه التكنولوجيا التي تتجه يوما عن يوم نحو تجريد الإنسان من إنسانيته في عصر العبودية والإستلاب الرقميين.

حيث أن التكنولوجيا الحديثة تحول العالم إلى “مخزون” كما سماها هايدغر يتم فيها النظر الى كل شيئ بما فيه الإنسان كبضاعة، والتفكير في العالم بمضمون الربح المادي بدل التفكير التأملي الأمر الذي يسهم في فهم جوهر الوجود واستعادة علاقتنا بالعالم ،من خلال استعادة علاقتنا مع الطبيعة بدل التعامل معها بمنطق استغلالي للموارد، الشيئ الذي يعزز الوعي النقدي تجاه التكنولوجيا واستخدامها بشكل أخلاقي، وأصبح “الإنسان ذو البعد الواحد” رهينا لثقافة الاستهلاك، مما يفرض ضرورة تعلم الفكر النقدي قصد امتلاك القدرة على مقاومة الإعلام الموجه و “ثقافة اللاشيء” التي ينتقدها الأستاذ الكحص من خلال تعزيز الوعي النقدي وتشجيع المقاومة الثقافية. ذلك الإعلام الذي استبدل الواقع الحقيقي بالصور والعلامات أو ما يسميه جون بودريار ب”الواقع الفائق”، الشيئ الذي يخلق لنا عالما وهميا، مما يفرض على الذات السعي إلى اكتشاف الواقع الحقيقي من خلال نقد هذه الصور والعلامات التي تكرس الواقع الفائق والمزيف قصد مقاومته والإنفلات من سيطرت هذه العلامات والصور على حياتنا.

الأستاذ الكحص يناقش أيضا العقل الأداتي المجرد من أي عمق قيمي في مناقشته لمنطلقات ماكس فيبر وأيضا هابرماس من حيث طبيعة التعاطي الأداتي، هابرماس من داخل مدرسة فرانكفورت وتحول الفضاء العام إلى ساحة الصراع الشيئي الذي يقوض معه أي عقلانية قيمية كما يقوض فضيلة الحوار والتعاون، بحيث يؤكد على أهمية الديمقراطية التشاركية التي تشجع الأفراد على المشاركة في صنع القرار في ترافعه على انهيار القيم السياسية التي ينتقدها الأستاذ الكحص وهنا غيب الأستاذ الكحص أشكال الإقطاع الرقمي والخوارزميات وهيمنة الإعلام بالإضافة إلى الضبط النخبوي التي تعاني منه العديد من منظمات المجتمع المدني والتي تتجه إلى ضبط النقاش مما يفرض معه النضال من أجل الإعتراف لأن الأصل هو الإختلاف وليس الإجماع مما يقتضي معه التوافق كحد أدنى في إطار الإعتراف بالحق في الإختلاف بإعتباره العنصر الأصيل في أي عملية عقلية وأي نقاش ففي البدء كان الجدل المادي والصراع الإجتماعي وهو محرك التاريخ بل محرك الحداثة نفسها التي لم لن تكتمل بعد هناك أيضا ضرورة التفكير في الاليات التي يمكن من خلالها من الرقابة والحجر التي أصبح يمارسه النظام الإقطاعي المعاصر والبحث عن بدائل لهذه الفضاءات المراقبة سواء الواقعية منها أو الإفتراضية، بعيدا عن النظرية الحالمة لهابرماس من داخل مدرسة فرانكفورت ونضاله من أجل تشجيع النقاش العمومي والحوار السياسي والتعاون بين الشعوب والتي وجهت من خلال هذه المدرسة نفسها، كنوع من التمرد الانساني أيضا ضد العالم العبثي، ضد “ضياع المعنى” وذلك من خلال تكريس قيم التضامن.

إن محاربة العقل الأداتي الذي أنتج علما بدون ضمير و ”خراب الروح ” بتعبير الأستاذ محمد الكحص يقتضي معها تعزيز الوعي النقدي والإصلاح الأخلاقي حتى نواجه الإستخدام الأخلاقي للتكنولوجيا وجعلها في خدمة الطبيعة والإنسان، أيضا نقد ”الحياة العارية” حيث تم تحويل الإنسان إلى كائن بيولوجي دون حقوق، و ”تفاهة الشر ” الذي تحول إلى أمر عادي ويحضى بالقبول من طرف المجتمع ،هذا ”الخراب” يقتضي تعزيز المسؤولية الأخلاقية والنضال من أجل تجذير حقوق الإنسان والعدالة الإجتماعية.

هذا الأمر تواجهه عدة عقبات من بينها إستخدام المعرفة والإعلام كسلطة وأداة للسيطرة على الشعوب، مما يقتضي معه مقاومة هذه الهيمنة الشيء الذي يقتضي معه مقاومة ” ثقافة الفرجة ” ونقدها، وتفكيك علاقات السلطة التي تمارس من خلال المعرفة وانتقاد المؤسسات ومقاومة هذه العلاقات وانتقاد المؤسسات التي يتم من خلالها تكريس الهيمنة وتعزيز الحرية الفردية، من خلال أنطلوجيا التحول و ” الإختلاف والتكرار ” ونقد الهياكل الجامدة لمواجهة ” انهيار القيم السياسية” وتعزيز التعددية من خلال انصاف الهامش وهيمنة العقل الغربي وجعل ”الرأسمال الثقافي” له كأداة للهيمنة.

إن مقاومة ”عصر اللاشيء” الذي أصبحت تسيطر عليه أيضا ” ثقافة الإستهلاك” والتي تحتم علينا إعادة إكتشاف قيمنا الإنسانية، من أجل مقاومة مجتمع الإستهلاك وتعزيز القيم الإنسانية (الحب و التضامن). إن مواجهة ”عصر اللاشيء” الذي انتقده محمد الكحص، يقتضي منا أن نستلهم حلولا من الفلاسفة مثل هايدغر، ماركوز، بودريار، هابرماس، ألبير كامو، رابيليه، تشومسكي، مشيل فوكو، أغامبين، دولوز، ديريدا، بورديو، أرندت، فروم …، والعديد من المدارس المختلفة التي نهل من رحيقها الفلسفي الأستاذ محمد الكحص سواء منها (الوجودية أو فرانكفورت، أو مدرسة مابعد الحداثة، كذلك المدارس التي تنتمي إلى نقد التكنولوجيا )، وتكيفها مع واقعنا المغربي الذي ننتمي إليه قصد استعادة القيم الإنسانية، وتعزيز التضامن والمقاومة، من خلال الجمع بين هذه الأفكار، يمكننا أن نبني مستقبلا أفضل، حيث يتم تحرير الإنسان من الإستلاب واستعادة المعنى الحقيقي لكوننا بشرا فاعلين في بناء خطة التاريخ.

مشاركة المحتوى:

إرسال التعليق

المزيد