فشل أخنوش!! ماذا بعد !؟
قلم المرسول مع الأستاذ عبد المنعم الكزان
“لا يوجد وقت فراغ في السياسة” طوما الإكويني الخلاصة اللاهوتية.
عندما أعلن أمير المؤمنين قرار الإهابة بإلغاء ذبح شعيرة عيد الأضحى أيام قليلة قبل رمضان الأبرك لهذه السنة استبشر العديد من الطبقات الشعبية اعتبارا لكون هذا القرار هو رفع لحرج عدد كبير من المغاربة على المستوى الاجتماعي ، حيث أن القرار كشف عن أزمة عميقة في القطاع الفلاحي ، أدى إلى تقريع سياسي غير مباشر من طرف جلالة الملك خلال المجلس الوزاري الأخير لرئيس الحكومة باعتباره الوزير المشرف السابق على القطاع حيث أمر بتحويل الإشراف على الدعم إلى وزير الداخلية بدل وزير الفلاحة.
القرار الملكي الذي جاء خلال المجلس الوزاري لم يأتي من فراغ ، بل كان انذارا مدويا أمام كارثة حقيقية تهدد الأمن الغذائي للمملكة ، فالأرقام كانت صادمة حيث أكدت أن القطيع الوطني عرف تراجعا مهولا بلغ 86٪ ، اضافة إلى الإرتفاع الجنوني في اسعار اللحوم ، والرفع من منسوب الإجهاد المائي نتيجة تركيز التصدير الفلاحي على المنتوجات التي تستهلك الكثير من الماء مما رفع من منسوب هذا الإجهاد الذي عرفته المملكة جراء سنوات الجفاف و الذي كان طبعا سببا مباشرا أيضا في غلاء اسعار المنتوجات الغذائية كما أن السياسة الفلاحية أدت أيضا الى ارتهان المغرب إلى الخارج في عدة مواد غدائية أساسية ، دون ألا ننسى أن سياسة دعم المواشي لم تستفد منه الطبقات البسيطة بالشكل الكافي الذي يمكن معه خلق الطبقة المتوسطة الفلاحية الموعودة حيث أصبحت العديد من المداشر والدواوير المغربية التي كانت تشكل معقلا للثروة الحيوانية الى مناطق خاوية على عروشها من أي نشاط رعوي.
المبادرتين الملكيتين سواء من خلال رسالة المناشدة بعدم ذبح أضحية العيد والتي تلاها وزير الأوقاف أو من خلال إجراءات المجلس الوزاري هو عنوان إخفاق متواصل لسياسات فلاحية ومخططها الأخضر ، لقد حول جلالة الملك ملف القطيع الوطني من مجرد قضية تقنية إلى قضية سيادية ذات بعد استراتيجي كإعلان صريح عن إفلاس منظومة بكاملها.
التوجيه الملكي بنقل صلاحيات الإشراف على إعادة تكوين القطيع من وزارة الفلاحة إلى وزارة الداخلية جاء ضربة قاضية لوزير الفلاحة السابق و الحالي وعرابهم عزيز أخنوش.
لقد كانت وزارة الفلاحة وصندوق التنمية القروية أحد أهم ركائز عزيز أخنوش في وصوله إلى رئاسة الحكومة من خلال تسويق نفسه سياسي ناجح في القطاع الفلاحي بالإضافة إلى الهيكلة المؤسساتية للوزارة الممتدة وطنيا والتي كانت قناة للتواصل مع شريحة هامة من الغرف والجمعيات الفلاحية الأمر الذي سهل بناء علاقات مصالحية استمرت بعد ذلك في وصوله إلى رئاسة الحكومة . بحيث أن حزب الأحرار لم يكلف نفسه عناء ارتداء عباءة الأيديولوجيات وما يستتبعها من شعارات دينية أو طبقية.
النقطة الثانية التي استغلها أخنوش هو إفطاره مع جلالة الملك بعتبارهاد لحظة نقل للرأسمال الرمزي لما هو معروف من القدسية الاجتماعية والسياسية للملكية في المخيال الجمعي المغربي.
المسألة الثالثة وهي “مجموعة أكوا” بعتبارها جهازا للهيمنة الناعمة أكثر فاعلية من أي تنظيم حزبي تقليدي تمكن من خلالها كسب علاقات ولاءت العديد من السياسين و الاعلامين بينهم وزراء لتتحول معها السلطة الاقتصادية إلى نفوذ سياسي.
بالرجوع إلى وزارة الفلاحة، كان أخنوش يمارس ما يمكن تسميته بـالرأسمالية المحاسبية أو “سياسة الهبات” كما وصفها مارسيل موس في دراساته عن الاقتصاد البدائي. الدعم الموجه للفلاحين و الموردين ، الرخص، كلها كانت “هدايا” سياسية تخلق دينا معنويا يتحول معه إلى عرفان وولاء لاشعوري . منر الآلية التي شرحها بورديو في تحليله لتبادل المنافع الرمزية، حيث تحولت السياسات قطاع الفلاحة إلى عملة لشراء الولاءات، عوض به التنظيمات القطاعية للعديد من الأحزاب السياسية التقليدية والتي استمرت في بنائها لعقود، كما أن هذا النجاح في تقديم نفسه كبديل عن الأحزاب الأيديولوجية،كان أيضا نتيجة التحولات العالمية الذي أشار إليه فوكوياما عن “نهاية التاريخ”، حيث تتراجع الأيديولوجيات الكبرى لصالح البراغماتية الاقتصادية. لكنه في نفس الوقت أعاد إنتاج منطق المحسوبية السياسية في نسختها التقليدية الفجة. ثم أخيرا “مؤسسة جود ” والتي استمرت البنيتين السابقين “أكوا و وزارة الفلاحة ” بتقوية الحضور السياسي للمترشحين المفترضين في دوائرهم.
اليوم، و بعد فقدان أخنوش الآلية كسب الولاء و العرفان المصالحي من خلال سحب الإشراف من وزارة الفلاحة إلى وزارة الداخلية وأمام محاصرة “جود” بالقانون 18.18 للإحسان العمومي، و أمام غياب الإنجاز الحكومي الملموس فقدت معه شرعية الإنجاز بحيث تحولت معه خطابات الأغلبية استعراض فارغ من خلال التغني بالدولة الإجتماعية دون إجراءات ملموسة(فرانكفورت)، وضعف المعارضة التي لم تستطع حتى توحيد جهودها من أجل الدفع بملتمس الرقابة الشيئ الذي أفقدت معه الثقة بشكل كبيير في هذين المؤسسين الدستوريتين سواء الحكومة أو البرلمان ماذا بعد؟ في مشهد سياسي ضبابي يكرس العزوف لم ترسم معالم مستقبله فلا مغامرة بالوطن!!!.
مشاركة المحتوى:


إرسال التعليق