جاري التحميل الآن
×

السويداء تحت النار: صراع الهويات والسلاح في ظل البحث عن دولة حقيقية.

السويداء تحت النار: صراع الهويات والسلاح في ظل البحث عن دولة حقيقية.

تشهد محافظة السويداء جنوب سوريا تصاعداً خطيراً في أعمال العنف الطائفي، وسط اشتباكات دامية بين مجموعات مسلحة درزية وأخرى من البدو السنّة، خلّفت مئات القتلى والجرحى، وأثارت صدمة في الرأي العام المحلي والدولي، بسبب حجم العنف ووحشيته، وغياب تام لسلطة الدولة.

أحداث العنف التي اندلعت منذ منتصف يوليو 2025، بدأت بمناوشات فردية سرعان ما تطورت إلى عمليات خطف وقتل متبادل، وهجمات مسلّحة عشوائية على الأحياء، بلغت ذروتها في مجازر طائفية بحق المدنيين، حيث وثّقت منظمات حقوقية تنفيذ إعدامات ميدانية وعمليات قتل.

لطالما اعتُبرت السويداء، إحدى المناطق “الهادئة” في خارطة الحرب السورية، لكن ما يجري اليوم يُظهر أن الهشاشة البنيوية للمؤسسات، وتراكم الغضب الاجتماعي والهوياتي ، تجعل من أي شرارة صغيرة بداية لانفجار كبير.

تأتي هذه الأحداث في ظل فراغ أمني كبير بعد سنوات من تهميش السويداء سياسياً وتنموياً، مع فشل السلطات في احتواء الأزمات المحلية.

الصراع في السويداء ليس مجرد خلاف محلي، بل هو امتداد لأزمة الهوية والانتماء في سوريا ما بعد الحرب، حيث تسود الولاءات المذهبية والعشائرية على حساب الدولة، وتتحول التناقضات الاجتماعية إلى مواجهات مسلّحة.

رغم خطورة الوضع، التزمت الحكومة السورية صمتاً مطبقاً في البداية، قبل أن ترسل قوات أمنية “حاولت الفصل”، لكنها متهمة من قبل بعض الفعاليات المحلية بـ”التحيز أو التقاعس”، مما زاد من الاحتقان الشعبي.

ولم يُفلح الإعلان عن اتفاق لوقف إطلاق النار يوم 19 يوليو، وتسليم الأمن لفصائل محلية درزية، في تهدئة الأوضاع، في ظل غياب حل سياسي عادل، وعدم محاسبة المتورطين في المجازر.

ما يحدث في السويداء ليس استثناءً، بل نموذج صارخ لما يمكن أن تؤول إليه مناطق ما بعد الصراع، حين تغيب الدولة ويُترك المجتمع لمصيره. وتكمن خطورة المشهد في كونه قابلًا للتكرار في مناطق سورية أخرى، ما لم يتم إطلاق مسار مصالحة شامل، يضمن العدالة، والمحاسبة، وإعادة بناء الثقة بين المكونات.

إن أحداث السويداء تُعدّ جرس إنذار أخير، بأن سوريا لم تخرج بعد من نفق الفوضى، وأن السلام لا يصنعه الصمت الرسمي، بل العدالة المجتمعية والاعتراف بالحقوق والهويات. فالمجازر لا تُمحى بالتجاهل، ولا يُبنى الوطن على رماد أحقاد متجددة.

مشاركة المحتوى:

إرسال التعليق

المزيد