جاري التحميل الآن
×

حين يحول العدالة والتنمية قبة البرلمان إلى منصة للضجيج.

حين يحول العدالة والتنمية قبة البرلمان إلى منصة للضجيج.

ليست أزمة حزب العدالة والتنمية اليوم مجرد خسارة انتخابية مدوية هزّت صورته السياسية، بل هي — في العمق — أزمة سلوك وخطاب وممارسة. فمنذ سنوات، والحزب يجر المؤسسة التشريعية المغربية إلى مستوى من التوتر والفوضى والانحدار الخطابي غير المسبوق، حتى بدا البرلمان في بعض اللحظات وكأنه ساحة صراخ شعبوي لا مؤسسة دستورية تمثل هيبة الدولة المغربية.

لقد اعتاد المغاربة، وهم يتابعون جلسات البرلمان، على مشاهد العبوس والانفعال والصراخ والمقاطعات والاستعراض المسرحي الذي يتقنه بعض نواب الحزب، الإسلامي على قلتهم وكأن الغاية لم تعد مناقشة قضايا الأمة، بل افتعال الضجيج بأي ثمن، ولو على حساب صورة المجلس وهيبة الدولة واحترام المواطنين.

المؤسف أن حزبًا جاء به يومًا سياق دولي انتهى إلى تكريس أسوأ أشكال الشعبوية السياسية داخل مؤسسة يفترض أن تكون عنوانًا للرزانة والتشريع والحكمة. فبدل أن يرتقي بالنقاش العمومي، انحدر به إلى مستوى المناكفات الرخيصة والتجييش والانفعالات التي تفتقر إلى أبسط شروط المسؤولية السياسية.

لقد حول بعض قادة الحزب ونوابه قبة البرلمان إلى فضاء دائم للابتزاز السياسي والصراخ الأخلاقي الفارغ، مستعملين لغة أقرب إلى المنابر الشعبوية منها إلى خطاب رجال دولة يدركون معنى المؤسسات واحترام الدولة.

والأخطر من كل ذلك، أن هذا الأسلوب لم يكن مجرد حالات معزولة أو انفعالات ظرفية، بل أصبح مع مرور السنوات منهجًا كاملاً في العمل السياسي:

-افتعال المعارك،
-خلق التوتر،
-الاستثمار في الصدام،
-وتغذية مناخ الانقسام والكراهية السياسية،
-معاكسة التطور الإيجابي للمملكة.

وكأن الحزب لم يستوعب إلى اليوم أن الدولة ليست حلبة صراع حزبي ضيق، وأن البرلمان ليس مقهى سياسيًا تُدار فيه الحسابات بالصراخ والتشويش والاستفزاز.

لقد أساء هذا السلوك إلى صورة المؤسسة التشريعية بشكل خطير، وضرب ما تبقى من ثقة المواطن المغربي في العمل السياسي. فالمواطن الذي ينتظر من ممثليه الدفاع عن التعليم والصحة والاقتصاد والشغل، يجد نفسه أمام مشاهد عبثية تسيء إلى معنى الديمقراطية نفسها.

وإذا كان الاختلاف السياسي حقًا مشروعًا، فإن تحويل البرلمان إلى ساحة للفوضى الدائمة هو سقوط أخلاقي قبل أن يكون سقوطًا سياسيًا. لأن احترام الدولة يبدأ أولًا من احترام مؤسساتها، واحترام الزملاء داخل المجلس، واحترام المواطن الذي يتابع، وربما يشعر بالخجل وهو يرى مستوى الخطاب الذي وصل إليه بعض من يفترض أنهم “ممثلون للأمة”.

لقد بدا واضحًا خلال السنوات الأخيرة أن حزب العدالة و التنمية ، بعد أن فقد جزءًا كبيرًا من شرعيته الشعبية، اختار تعويض ذلك بالصوت المرتفع والانفعال الدائم، ظنًا منه أن الضجيج يمكن أن يعوض غياب المشروع السياسي وفقدان الثقة الشعبية.

لكن التاريخ السياسي لا يرحم. والتاريخ لا يتذكر من كان الأكثر صراخًا داخل البرلمان، بل من احترم الدولة عندما اختلف، ومن حافظ على هيبة المؤسسات حتى وهو يمارس المعارضة.

أما تحويل المؤسسة التشريعية إلى مسرح للفوضى الرخيصة، فذلك ليس نضالًا سياسيًا… بل إهانة صريحة لصورة البرلمان المغربي وللمغاربة جميعًا وللدولة المغربية.

مشاركة المحتوى:

إرسال التعليق

المزيد