جاري التحميل الآن
×

بنكيران ضد منطق الدولة: كيف تحولت الشعبوية إلى خطر على المصالح الاستراتيجية للمغرب؟”

بنكيران ضد منطق الدولة: كيف تحولت الشعبوية إلى خطر على المصالح الاستراتيجية للمغرب؟”

في الوقت الذي يخوض فيه المغرب معارك دبلوماسية واقتصادية معقدة لتعزيز موقعه بين الأمم والدفاع عن مصالحه الاستراتيجية، يواصل عبد الإله بنكيران إطلاق مواقف وتصريحات لا تخدم سوى منطق الصدام والمواجهة العبثية مع قوى دولية كبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية. فبدلاً من استيعاب التحولات الجيوسياسية التي تفرض على الدول انتهاج الواقعية والحكمة في تدبير علاقاتها الخارجية، يصرّ على خطاب شعبوي متشنج ينهل من قاموس التنظيم العالمي للاخواني المصنف عربيا تنظيما ارهابيا بل و يختزل السياسة الدولية في شعارات انفعالية ومواقف ارتجالية لا تراعي حسابات الدولة ولا مصالح الوطن.

إن أخطر ما في هذا النهج أنه لا يكتفي بإثارة الجدل الداخلي، بل يبعث برسائل سلبية قد تُفهم على أنها تشكيك في الخيارات الاستراتيجية التي راكم المغرب بفضلها مكاسب دبلوماسية واقتصادية مهمة على مدى عقود. وبينما تعمل مؤسسات الدولة على بناء جسور التعاون والشراكة مع مختلف القوى المؤثرة في العالم، يختار بنكيران لغة التصعيد والمناكفة السياسية، غير آبه بما قد تخلفه من تشويش على صورة المغرب أو إضرار بمصالحه العليا. فالوطن لا يُدار بمنطق الانفعالات والخطب الحماسية، بل بمنطق المسؤولية والرؤية الاستراتيجية، وهي اعتبارات يبدو أن بنكيران يضعها جانباً كلما تعلق الأمر بتحقيق مكاسب سياسية ضيقة أو تصفية حسابات إيديولوجية.

ففي خرجة جديدة غير محسوبة أكثر من سابقاتها وأثارت كما هائلا من الاستغراب إعلاميا لعبد الإله بنكيران، كان حديثه عن الولايات المتحدة الأمريكية بنبرة بدت أقرب إلى التقليل من شأنها ومن مسارها التاريخي، حين تساءل مستنكراً: «ماذا ستكون أمريكا ومن هي ؟ وهي فقط حديثة النشأة، لا يتجاوز عمرها 250 سنة؟». والحال أن بنكيران لنقص نضجه و تكوينه الأكاديمي لا يفهم أن قيمة الدول لا تُقاس فقط بعمرها التاريخي، بل أيضاً بقدرتها على بناء المؤسسات وإنتاج المعرفة وتحقيق التنمية والتأثير في محيطها الدولي.

كما أن رد بنكيران على التساؤلات المرتبطة بالتقاطعات الفكرية والإيديولوجية بين حزب العدالة والتنمية وتنظيم الإخوان المسلمين لم يبدُ مقنعاً لكثير من المتابعين. فبدل أن يقدم توضيحات سياسية هادئة ومسؤولة، اختار لغة حادة تجاه محاوره، ما أعطى الانطباع بأن السؤال في حد ذاته أصبح مصدر إزعاج أكثر من كونه موضوعاً يستحق النقاش.

والأمر يكتسب حساسية خاصة عندما يصدر عن شخصية سبق لها أن تولت رئاسة الحكومة. فالمسؤول الذي شغل هذا المنصب يفترض أن يزن كلماته بدقة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بدولة ترتبط مع المغرب بعلاقات استراتيجية وسياسية واقتصادية متينة. فالنقاش السياسي مشروع، والاختلاف في المواقف طبيعي، لكن الخطاب العمومي يظل مطالباً بالحفاظ على قدر من الاتزان والرصانة ينسجم مع مكانة المتحدث ومسؤولياته السابقة.

لقد بدا بنكيران في تلك اللحظة أقرب إلى السياسي المنفعل الفاقد لكل منطق سليم و البعيد عن رجل الدولة الهادئ. وبين الانفعال والحكمة مسافة تصنع الفرق بين خطاب يسعى إلى الإقناع وخطاب يكتفي بإثارة الضجيج.

مشاركة المحتوى:

إرسال التعليق

المزيد