جاري التحميل الآن
×

متى تعود “دويتشه فيله” إلى رشدها؟

متى تعود “دويتشه فيله” إلى رشدها؟

كانت قناة “دويتشه فيله” الألمانية تحظى، إلى وقت قريب، باحترام قطاع واسع من المتابعين الذين رأوا فيها نموذجاً للمهنية والاحترافية والتعددية في تناول القضايا الدولية. غير أن ما أصبحت تقدمه في بعض برامجها يثير الكثير من علامات الاستفهام، بل يدفع إلى التساؤل المشروع: ماذا حدث لهذه المؤسسة الإعلامية العريقة؟

من غير المقبول أن تتحول المنصات الإعلامية الرصينة إلى فضاءات لإعادة تدوير الوجوه نفسها في مختلف المواضيع والتخصصات. فكيف يستقيم أن يتم تقديم صحفي مغربي تارة باعتباره محللاً سياسياً، وتارة أخرى خبيراً في العلاقات الدولية، ثم باحثاً في قضايا الأمن والاستراتيجيا، ولحظات أخرى يتحول إلى خبير اقتصادي بحسب طبيعة الحلقة ومتطلباتها؟ هل أصبحت الخبرة الأكاديمية والمعرفة المتخصصة مجرد صفات جاهزة كالوجبات السريعة تُمنح بسخاء أمام الكاميرات؟

إن الإصرار على استضافة الشخص نفسه للتعليق على ملفات متباينة لا يسيء فقط إلى ذكاء المشاهد، بل يضرب في العمق مصداقية المؤسسة الإعلامية نفسها. ويسيء إلى سيادة الدولة،فالإعلام المهني لا يقوم على صناعة “الخبير الشامل”، وإنما على احترام التخصص وإتاحة الفرصة لأصحاب الكفاءة الحقيقية.

والأكثر إثارة للاستغراب هو أن من يحرص على الظهور الأسبوعي في بلاطوهات القناة الألمانية لا يجد حرجاً في التلاعب بالمفاهيم أو الخوض في القضايا السيادية للوطن بخفة غير مسؤولة، سعياً وراء حضور إعلامي متكرر أو مقابل مادي محدود. إن الاختلاف في الرأي حق مشروع، أما العبث بثوابت الوطن وقضاياه المصيرية فهو أمر لا يمكن تبريره تحت أي عنوان، سواء كان حرية التعبير أو البحث عن الشهرة.

إن الصحفي الساكن بالقناة حين يبيع صفة الباحث حيناً، وصفة الخبير حيناً آخر، فقط لضمان دعوات متكررة إلى البرامج التلفزيونية، لا يسيء إلى نفسه فحسب، بل يسيء أيضاً إلى قيمة البحث العلمي البعيد عنه سنوات ضوئية وإلى صورة الخبرة الحقيقية التي تتطلب سنوات من التكوين والتخصص والرصانة الفكرية.

لقد كان من نقاط قوة “دويتشه فيله” حرصها على التوازن والجدية واحترام عقل المتلقي. أما اليوم، فإن الاستسهال في اختيار الضيوف، وإعادة تدوير الأسماء ذاتها مهما اختلفت المواضيع، يطرح تساؤلات جدية حول المعايير المعتمدة في انتقاء المتدخلين.

إن النقد هنا ليس موجهاً ضد حرية الرأي، ولا ضد حق أي صحفي في التعبير عن مواقفه، وإنما ضد الخلط المتعمد بين الصحافة والبحث الأكاديمي، وضد استسهال الحديث في قضايا حساسة تمس سيادة المملكة المغربية وثوابتها الوطنية دون امتلاك الحد الأدنى من الاختصاص أو المسؤولية.

فمتى تعود “دويتشه فيله” إلى رشدها الإعلامي؟ ومتى تستعيد ذلك القدر من المهنية الذي جعل منها يوماً ما مرجعاً في الإعلام الدولي؟ إن احترام المشاهد يبدأ باحترام عقله، واحترام المؤسسات يبدأ باحترام التخصص، أما الإصرار على تقديم الشخص نفسه بصفات متعددة حسب الطلب، فلن يؤدي إلا إلى مزيد من فقدان الثقة في الإعلام الذي كان يوماً
ما قامة دولية.

مشاركة المحتوى:

إرسال التعليق

المزيد