حين فتح الهناوي القدس
بقلم الحاج المعطي
لا يختلف اثنان حول عدالة القضية الفلسطينية ومكانة القدس في وجدان المغاربة، فهي قضية تحظى بإجماع شعبي ورسمي من جلالة الملك إلى كل مواطنة و مواطن، وقد ظل المغرب، بقيادة ملكه رئيس لجنة القدس، داعماً للحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني على المستويات السياسية والدبلوماسية والإنسانية. لكن ما يثير الاستغراب هو أن يتحول الدفاع عن القدس لدى البعض كالهناوي إلى وسيلة للمزايدة على الوطن ومؤسساته، وإلى معيار وحيد للحكم على وطنية الناس.
لقد أصبحنا نرى الهناوي يتطاول على المغاربةو يعتبر أن من لا يشارك في المظاهرات أو لا يتبنى خطابه المتشنج هو بالضرورة مطبع أو خائن للقضية، وكأن الوطنية تمنح بصكوك يوزعها وفق هواه، وكأن الإخلاص لفلسطين لا يكون إلا عبر بوابته هو. والأدهى من ذلك أن بعض هؤلاء مثل الهناوي لا يترددون في وضع قضية القدس فوق الوحدة الترابية للمملكة، أو التقليل من شأن قضية الصحراء المغربية باعتبارها أقل أهمية من قضايا أخرى.
ربما لا يعلم الأخ الهناوي أن من يستخف بثوابت وطنه ويمارس المزايدة على دولته لا يملك الحق في احتكار الحديث باسم المبادئ. فحب القدس لا يتناقض مع الدفاع عن الصحراء المغربية، ونصرة الشعب الفلسطيني لا تكون على حساب المصالح العليا للوطن. بل إن الوطنية الصادقة تقتضي الجمع بين الوفاء لقضايا الأمة والتمسك غير المشروط بوحدة الوطن وسيادته.
ومن المؤسف أن تتحول القضية الفلسطينية عند الهناوي إلى ما يشبه “البقرة الحلوب” التي تدر عليه و على رفاق دربه المكاسب السياسية والشعبية. فإذا لم تحقق لهم مكاسب إقليمية أو دولية، سعوا إلى استثمارها داخلياً لبناء رصيد انتخابي وتقديم أنفسهم باعتبارهم الأوصياء الحصريين على القدس. بل إن بعضهم لا يجد حرجاً في توظيف هذه القضية النبيلة للحصول على التزكية السياسية أو استمالة الناخبين أملاً في الوصول إلى البرلمان، وكأن معاناة شعب بأكمله تحولت إلى وسيلة لتحقيق طموحات شخصية ضيقة.
إن أخطر ما في هذا السلوك أنه يفرغ القضايا العادلة من بعدها الأخلاقي والإنساني، ويحولها إلى أدوات للتخوين وتصفية الحسابات والمزايدات الانتخابية. فالقضية الفلسطينية أكبر من أن تكون شعاراً موسمياً، والقدس أسمى من أن تُستغل لتحقيق مكاسب سياسية عابرة.
لقد كان المغاربة دائماً قادرين على التمييز بين التضامن الصادق والمتاجرة بالقضايا. ولذلك فإن من يخون وطنه بالتشكيك في وحدته الترابية، أو يزايد على مؤسساته وثوابته، لا يمكنه أن يقدم نفسه في صورة المدافع الأوحد عن القدس. لأن الوفاء الحقيقي لا يتجزأ؛ فمن صدق مع وطنه، كان أكثر صدقاً مع قضايا أمته، أما من جعل من المآسي الإنسانية مطية للمجد الشخصي، فإنه لا يخدم سوى مصالحه الخاصة، مهما علا صوته.
مشاركة المحتوى:



إرسال التعليق