جاري التحميل الآن
×

افتتاحية: عندما يصبح الفشل مؤهلاً للترقي

افتتاحية: عندما يصبح الفشل مؤهلاً للترقي

هناك أسئلة تفرض نفسها بإلحاح كلما تابع المواطن مسار بعض المسؤولين في هذه الحكومة الهجينة، كيف يمكن لمسؤول أثار الجدل، وتعرض لانتقادات واسعة، وكانت قراراته موضوع شكاوى وتغطيات إعلامية متواصلة، أن يجد نفسه بعد فترة قصيرة في منصب أعلى؟ كيف تحول مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، الذي طالما رُفع كشعار للإصلاح، إلى مجرد عبارة جميلة لا تجد طريقها إلى التطبيق؟

لقد أصبح الرأي العام أمام مشهد يثير الاستغراب والاستياء في آن واحد. فبدل أن تكون المناصب العمومية فضاءات للمساءلة والتقييم الجاد للأداء، يبدو أنها تحولت في بعض الأحيان إلى محطات لإعادة تدوير المسؤولين أنفسهم، بغض النظر عن الحصيلة التي تركوها وراءهم. والأسوأ من ذلك أن كثرة الانتقادات لم تعد تُقرأ باعتبارها مؤشرًا على ضرورة فتح نقاش حول المسؤولية، بل تكاد تُفهم على أنها تفصيل عابر لا يؤثر في المسار المهني والسياسي لأصحاب القرار.

إن القضية هنا ليست تصفية حسابات مع أشخاص بعينهم، ولا الدعوة إلى محاكمات إعلامية متسرعة. القضية تتعلق بسؤال جوهري يهم مستقبل الثقة في المؤسسات، ما قيمة المحاسبة إذا كانت لا تُطبق؟ وما معنى تحمل المسؤولية إذا كانت النتائج، مهما كانت، لا تترتب عنها تبعات سياسية أو إدارية واضحة؟

إن المواطن الذي يراقب هذا المشهد من موقع المتضرر من اختلالات الخدمات العمومية، ومن موقع الحالم بدولة تكافئ الكفاءة وتحاسب التقصير، يجد نفسه أمام مفارقة قاسية. فمن يعمل بجد لا يضمن التقدير، ومن يفشل لا يخشى الإقصاء. وهكذا تتآكل القناعة حكومة ليس الانتقاد، بل فقدان ثقة المواطنين في عدالة مؤسساتها. فحين يشعر الناس بأن أصواتهم لا تُسمع، وأن الشكاوى لا تغير شيئًا، وأن الوجوه نفسها تعود دائمًا مهما كانت الحصيلة، يصبح العزوف واليأس رد فعل طبيعيًا على واقع يبدو عصيًا على الإصلاح.

إن الديمقراطية لا تُقاس بعدد التصريحات حول الشفافية، بل بقدرة الحكومة على ضمان وقار الدولة من خلالو احترام تعهداتها الأخلاقية والدستورية. وفي مقدمة هذه التعهدات أن تكون المسؤولية مقرونة بالمحاسبة، وأن تكون الترقية نتيجة للنجاح والإنجاز، لا مكافأة على الفشل وسوء التدبير.

إن الحكومات التي تتجاهل هذا الدرس قد تنجح في تجاوز العواصف الآنية، لكنها تخسر تدريجيًا رصيدها الأهم: ثقة المواطنين. وحين تُفقد الثقة، يصبح ترميمها أصعب بكثير من إطلاق الشعارات أو تغيير الخطابات.

إن الشعوب لا تطالب بالمستحيل، بل بالحد الأدنى من العدالة السياسية: أن تكون المناصب تكليفًا لا امتيازًا، وأن يخضع الجميع للمعايير نفسها دون استثناء. أما حين يتحول الفشل إلى محطة عابرة في طريق الصعود، وتصبح الانتقادات مجرد ضجيج سرعان ما يختفي أمام منطق إعادة التدوير، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح أكبر هو: هل ما زال مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة قائمًا في الممارسة، أم أنه أصبح مجرد عنوان جميل في الخطب والوثائق الرسمية؟

إن الحفاظ على ثقة المواطنين لا يكون بتبرير الأخطاء، ولا بالتقليل من شأن الغضب المشروع، وإنما بإعطاء المثال في النزاهة والجرأة على اتخاذ القرارات الصعبة. لأن الدول التي تكافئ الفشل تُضعف مؤسساتها، أما الدول التي تحاسب المقصرين وتكرم الأكفاء، فهي وحدها القادرة على صناعة مستقبل يستحقه مواطنوها.

مشاركة المحتوى:

إرسال التعليق

المزيد