جاري التحميل الآن
×

داعش من البداية إلى انهيار الخلافة المكانية.

داعش من البداية إلى انهيار الخلافة المكانية.

منذ ظهوره شغل تنظيم “داعش” الرأي العام العالمي، وترك بصمته العنيفة في مناطق شاسعة من الشرق الأوسط، خاصة العراق وسوريا. لكن خلف هذه الصورة المتوحشة، قصة نشأة معقدة تمر عبر عقود من التوتر السياسي، والتأويل الديني المتشدد، والتدخلات الإقليمية والدولية.

ترجع بدايات “داعش” إلى ما يُعرف بتيارـ”السلفية الجهادية”، وهوتيار فكري ظهر في أفغانستان خلال الثمانينات، ثم انتقل إلى بلدان متعددة. ومع الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، ظهر أبو مصعب الزرقاوي، الأردني ليؤسس تنظيم “التوحيد والجهاد”، الذي بايع لاحقًا زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن، ليُصبح الفرع العراقي للقاعدة تحت اسم “تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين”.

بعد مقتل الزرقاوي سنة 2006، تولّى أبو عمر البغدادي قيادة التنظيم، وأعلن مع مجموعة من الفصائل المسلحة تأسيس “دولة العراق الإسلامية”. لكن ضعف التنظيم لاحقًا بفعل الضربات الأمريكية و”الصحوات السنية”، أدّى إلى تراجعه حتى عام 2010، عندما صعد أبو بكر البغدادي إلى القيادة، ليعيد بناء التنظيم، مستغلاً الانسحاب الأمريكي من العراق، والفراغ الأمني والسياسي.

مع اندلاع الثورة السورية عام 2011، اتجه تنظيم البغدادي إلى الأراضي السورية، مستفيدًا من الفوضى. فأسس جناحًا هناك باسم “جبهة النصرة”، بقيادة أبو محمد الجولاني. غير أن خلافًا وقع بين البغدادي والجولاني بسبب الولاء للقاعدة، ليعلن البغدادي في 2013 دمج النصرة في تنظيمه تحت اسم “الدولة الإسلامية في العراق والشام” (داعش)، وهو ما رفضته النصرة وقيادة القاعدة، مما أدى إلى القطيعة بين الطرفين.

في يونيو 2014، أعلن البغدادي نفسه “خليفة للمسلمين”، من مسجد النوري في الموصل، بعد سيطرة داعش على المدينة. وبهذا الإعلان، تأسست ما سُمي بـ”الخلافة الإسلامية”، وجذب التنظيم آلاف المقاتلين من مختلف الدول، عبر دعاية إعلامية مركزة تروج للجهاد، والعداء للغرب، ومشروع دولة إسلامية مزعومة.

وهكذا وفي غضون سنوات قليلة، نجح تنظيم “داعش” في تجنيد عشرات الآلاف من المقاتلين من أكثر من 80 دولة، وتمدد في مساحات واسعة من العراق وسوريا، وفتح له فروعًا في إفريقيا وآسيا. لم يكن هذا الصعود المفاجئ محض صدفة، بل نتيجة لاستراتيجية ممنهجة اعتمد فيها التنظيم على الإعلام، والاستغلال النفسي والديني، والفراغ الأمني والسياسي.

أولًا: استراتيجية داعش في التجنيد

  1. الدعاية الإعلامية والدينية المكثفة

استثمر داعش في الإعلام الرقمي بشكل غير مسبوق بين التنظيمات الجهادية، حيث أنشأ منصات، ومجلات مثل دابق ورومية، وأنتج فيديوهات عالية الجودة تُظهر الانتصارات الميدانية، وطقوس “الخلافة”، وعمليات الإعدام الوحشية. كان الهدف منها:
إثارة الخوف والهيبة

تجنيد المتعاطفين عبر خطاب “التمكين” و”النصرة للدين”.

الترويج لـ”الحياة المثالية تحت راية الخلافة”

  1. استهداف الفئات الهشة والمهمشة

ركّز التنظيم على فئات:

الشباب المهمشين اجتماعيًا أو سياسيًا في دولهم.

السجناء أو أصحاب السوابق ممن يسهل التأثير عليهم.

النساء عبر وعود “الزواج في الجنة” و”المساهمة في بناء الخلافة”.

الناقمين على أنظمتهم من المهاجرين أو المسلمين في الغرب.

  1. استغلال الفتاوى المنحرفة وتأويل النصوص

اعتمد داعش على فقه تكفيري متطرف، قائم على تأويلات مشوهة لآيات الجهاد والولاء والبراء. وقد مكنه ذلك من إقناع الأتباع بقتل المسلمين والمعارضين واعتبارهم “مرتدين”

ثانيًا: أسباب التمدد السريع

  1. ضعف الدولة المركزية في العراق وسوريا

بعد الغزو الأمريكي للعراق (2003) والحرب الأهلية في سوريا (2011)، تفككت الدولة المركزية في كلا البلدين، وانهارت المؤسسات الأمنية والعسكرية، ما وفر بيئة خصبة لبروز التنظيمات المسلحة.

  1. الطائفية والصراعات السياسية

استغل داعش الصراعات الطائفية، خاصة تهميش السنة في العراق بعد 2003، لطرح نفسه كمدافع عن “أهل السنة”، وسوّق هذا الخطاب لاجتذاب القبائل والمقاتلين.

  1. الغضب من الغرب وفشل الثورات

استغل داعش مشاعر الغضب تجاه السياسات الغربية في المنطقة، وفشل ثورات الربيع العربي في تحقيق العدالة، ليقدّم نفسه كبديل لـ”النظام الفاسد” و”العدو الخارجي”.

  1. التمويل والسلاح

سيطر التنظيم على موارد مالية ضخمة بعد احتلال الموصل، من بينها:

نهب بنوك.

تهريب النفط.

فرض الإتاوات والضرائب.

التجارة غير الشرعية.

واستخدم هذه الأموال في تمويل حملاته وجلب المجندين.

خاتمة: بين الهزيمة والكمون

ورغم انهيار “الخلافة المكانية”، فإن الفكر لم ينتهِ بعد، ولا تزال خلايا نائمة وخطابات تحريضية تهدد بإحياء التنظيم في ظروف مشابهة. لذا، فإن المعركة ضد داعش ليست فقط عسكرية، بل فكرية واجتماعية وسياسية، تتطلب تجفيف المنابع، وتحقيق العدالة، ونشر خطاب ديني معتدل يُحصّن الشباب من الانجراف خلف دعاوى التطرف.

مشاركة المحتوى:

إرسال التعليق

المزيد