انسحاب أخنوش، نهاية مرحلة حكم المال وبداية سقوط الزبونية.
بقلم الحاج المعطي
لم يعد إعلان عزيز أخنوش مغادرته الأمانة العامة لحزبه حدثًا سياسيًا عابرًا، بل صار علامة فارقة على انهيار تجربة حكومية فاشلة بكل المقاييس، وتجسيدًا لهروب سياسي مفضوح من تحمل المسؤولية. فحين يختار رئيس الحكومة التخلي عن قيادة حزبه، فهو يبعث برسالة واضحة، لا عودة، ولا قدرة على المواجهة، ولا استعداد للمحاسبة.
هذا الانسحاب لا يمكن قراءته خارج سياق الغضب الشعبي المتراكم، وسأم المغاربة من إعادة تدوير نفس الوجوه، ونفس الخطابات، ونفس الأساليب التي لم تنتج سوى الغلاء، والاحتقان، وفقدان الثقة.
بانسحاب أخنوش، تبدأ عمليًا نهاية شبكة زبونية عاشت على القرب من السلطة، لا على خدمة المواطن. شبكة من المنتخبين والفاعلين الذين لم يكن لهم مشروع سياسي ولا رؤية، بل رهان واحد، البقاء قرب “الراعي”. ومع مغادرته، ستجد هذه الكتلة نفسها عارية سياسيًا، بلا غطاء، وبلا شرعية، وبلا مستقبل.
لقد تحولت السياسة في هذه المرحلة إلى سوق ولاءات، وأصبح النفوذ يُمنح مقابل الصمت، والمناصب تُوزع مقابل الطاعة، وإن كان الأمر ليس جديدا بل استمرارية لمنطق حزب الاخوان ، في إساءة خطيرة لمعنى الدولة ومفهوم المسؤولية.
هي حكومة بلا كفاءة… ووزراء بلا شرعية مجتمعية إذ من أكبر الجرائم السياسية التي ارتُكبت في هذه الولاية، تشكيل حكومة من وزراء دون مستوى المرحلة، بعضهم لا يملك لا تكوينًا أكاديميًا رصينًا ولا تجربة تدبيرية تُذكر، سوى مهارة الكلام الفارغ وترديد الخطاب الرسمي. وزراء أُحضروا لأنهم لا يشكلون خطرًا، لا لأنهم يشكلون قيمة.
النتيجة كانت واضحة قطاعات مشلولة، قرارات مرتجلة، تضارب في التصريحات، وغياب تام للإحساس الاجتماعي. حكومة تتحدث كثيرًا، دون أن تتواصل وتفعل قليلًا، وتفشل كثيرًا.
الأخطر من كل ذلك أن هذه المرحلة أعادت إلى الواجهة وجوهًا سياسية مستهلكة، تحيط بها شبهات فساد قديمة وجديدة، لم تُحسم قضائيًا لكنها رسخت في الوعي الجماعي كرمز للإفلات من المحاسبة. والمغاربة اليوم يقولونها بوضوح، سئمنا نفس الأسماء، نفس الشبكات، ونفس الروائح السياسية.
لم يعد المواطن يثق في خطابات تبرير الثروة، ولا في شعارات “النجاعة” التي تخفي تضارب المصالح، ولا في نخبة تتناوب على المناصب دون أن تُسأل عمّا راكمته أو عمّا أفسدته.
تحت هذه الحكومة، تضررت القدرة الشرائية، واتسعت الفوارق، وشعر المواطن بأن الدولة بعيدة، صمّاء، ومنحازة. لم يكن الفشل تقنيًا فقط، بل أخلاقيًا واجتماعيًا، حين بدا وكأن القرار العمومي رهينة مصالح فئة ضيقة، لا معاناة شعب بأكمله.
انسحاب أخنوش ليس شجاعة سياسية، بل نتيجة حتمية لفقدان الثقة. وهي رسالة واضحة بأن المغاربة لم يعودوا يقبلون بحكم المال، ولا بتدوير الوجوه المحترقة، ولا بالتساهل مع شبهات الفساد.
المرحلة القادمة لن تُبنى بالبلاغات، بل بقطيعة حقيقية مع الماضي، وبنخب نظيفة، وكفاءات حقيقية، ومحاسبة لا تستثني أحدًا.
وما عدا ذلك… مجرد إعادة إنتاج للفشل.
مشاركة المحتوى:



إرسال التعليق