الهناوي من المزايدة إلى البرلمان… أي رسالة يريد بنكيران إرسالها؟
بقلم الحاج المعطي
في السياسة، قد يختلف الناس حول البرامج والأفكار، لكنهم نادراً ما يختلفون حول دلالة الاختيارات. وعندما يمنح عبد الإله بنكيران تزكيته لشخص اشتهر بخطاب المزايدة والصدام وإثارة الجدل أكثر مما اشتهر بالدفاع عن المصالح الوطنية، فإن الأمر لا يتعلق بقرار تنظيمي عابر، بل برسالة سياسية مكتملة الأركان تستحق التوقف عندها.
لقد بنى الهناوي حضوره العمومي على خطاب لا يكاد يرى في العالم قضية تستحق الحديث أكثر من القدس وفلسطين، وهو أمر لا يختلف حول نبله أحد، غير أن المشكلة تبدأ عندما تتحول القضية الفلسطينية من قضية عادلة إلى وسيلة للمزايدة السياسية، وعندما يصبح الحديث عن القدس مدخلاً دائماً لتجاهل قضايا الوطن ومصالحه الاستراتيجية وتحدياته الحقيقية بل ذريعة لاثارة النعرات و استفزاز مشاعر المغاربة. فالوطنية ليست موسماً للخطابات الحماسية، ولا مسابقة في رفع الشعارات، بل هي قبل كل شيء دفاع عن مصالح الوطن وصورته واستقراره ومكتسباته.
وإذا كان من حق أي مواطن أن يعبر عن آرائه مهما كانت، فإن من حق الرأي العام أيضاً أن يتساءل: ما الذي جعل بنكيران المعروف بشطحاته السياسية يرى في هذا النموذج بالذات مرشحاً يستحق التزكية والتمثيل البرلماني؟ هل أصبح معيار الاستحقاق السياسي عند الإسلاميين هو القدرة على إثارة الضجيج وصناعة أجواء العنف؟ أم أن الحزب الذي لطالما كان يقدم نفسه باعتباره حزباً للمؤسسات والاعتدال هاهو يختار أن يكافئ خطاب المزايدة والتصادم و أجواء العنف؟
إن أخطر ما في هذا النوع من الخطابات أنه لا يكتفي بتبسيط القضايا المعقدة، بل يزرع وهماً خطيراً مفاده أن الوطنية تقاس بحدة الشعارات لا بعمق المواقف، وأن الدفاع عن القضايا الخارجية يغني عن الدفاع عن المصالح الوطنية. والحال أن الدول القوية لا تُبنى بالخطب الانفعالية، ولا تُدار بمنطق المزايدات، بل بالرؤية والحكمة والقدرة على التمييز بين العاطفة والمصلحة.
لقد كان كثيرون ينتظرون من بنكيران أن يقدم وجوهاً قادرة على الإسهام في تجديد العمل السياسي ورفع مستوى النقاش العمومي، فإذا بهم يفاجؤون بخيار يعيد إنتاج الخطاب نفسه الذي أرهق الحياة السياسية بالشعارات والصدامات العقيمة بل عمل على انتاج كتيبة للتهديد من داخل القبة . ولذلك فإن السؤال لم يعد متعلقاً بالهناوي وحده، بل ببنكيران نفسه: هل ما زال يؤمن بمنطق الدولة والمؤسسات، أم أنه اختار مرة أخرى الرهان على الإثارة والمزايدة والصدام و تجرولو كان الثمن مزيداً من الاستقطاب والضجيج؟
فالأوطان لا تحتاج إلى من يرفع صوته أكثر، بل إلى من يخدم مصالحها أكثر. وبين خدمة الوطن وخدمة الشعارات و الأجندات تبقى المسافة شاسعة، مهما حاول البعض إخفاءها خلف لافتات القدس.
مشاركة المحتوى:



إرسال التعليق