جاري التحميل الآن
×

المحاماة في ميزان الإصلاح الدستوري: بين المحاسبة وحصانة الدفاع

المحاماة في ميزان الإصلاح الدستوري: بين المحاسبة وحصانة الدفاع

من زاوية دستورية، لا يمكن اختزال إصلاح مهنة المحاماة في مجرد مواجهة قطاعية بين وزارة العدل وجسم مهني منظم، بل ينبغي النظر إليه باعتباره جزءا من الاختصاص الحكومي في تدبير السياسة التشريعية المرتبطة بإصلاح منظومة العدالة. فالدولة مسؤولة عن ضمان حسن سير مرفق العدالة، وحماية حقوق المتقاضين، وترسيخ الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة. ومن هذه الزاوية، فإن إصرار وزير العدل عبد اللطيف وهبي على مواصلة الإصلاح يعبر عن شجاعة مؤسساتية، لأنه اختار منطق الدولة والمصلحة العامة بدل الخضوع لحسابات الانتماء المهني أو ضغط التوازنات الفئوية.

غير أن مشروعية الإصلاح لا تعني أبدا إضعاف مكانة المحامي أو المساس بالضمانات الجوهرية المرتبطة بحق الدفاع. فالمحاماة ليست مهنة عادية داخل منظومة العدالة، بل هي أحد أعمدة المحاكمة العادلة، والمحامي لا يدافع عن موكله فقط، بل يساهم في حماية الحقوق والحريات وسيادة القانون. لذلك، فإن الإبقاء على حصانة المحامي أثناء الترافع عن موكله يظل مسألة جوهرية لا يجوز التعامل معها بمنطق الامتياز المهني، بل بمنطق الضمانة الدستورية المرتبطة بحق الدفاع والمحاكمة العادلة. فالمحامي، وهو يباشر مهامه أمام القضاء، يجب أن يتمتع بالحرية الكاملة في عرض دفوعه، ومناقشة الحجج، والدفاع عن مصالح موكله في حدود القانون وأخلاقيات المهنة، دون أن يكون مهددا بالمتابعة أو الضغط بسبب المواقف القانونية التي يبديها في إطار الدفاع. فالحصانة هنا لا تحمي الشخص، بل تحمي وظيفة الدفاع ذاتها.

وعليه، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في الانتصار لطرف ضد آخر، بل في بناء توازن دستوري دقيق بين إصلاح المهنة وحماية استقلالها. فالاستقلال المهني لا يعني الانغلاق أو رفض المحاسبة، كما أن الحصانة الوظيفية لا تعني الإفلات من المسؤولية، وفي المقابل لا يجوز أن يتحول الإصلاح إلى مدخل لتقييد حرية الدفاع أو إضعاف مكانة المحامي. الإصلاح الجيد هو الذي يعزز ثقة المواطن في العدالة، ويضمن شفافية العلاقة بين المحامي والموكل، ويحافظ في الوقت نفسه على المحامي كفاعل أساسي في حماية الحقوق وترسيخ دولة القانون.

مشاركة المحتوى:

إرسال التعليق

المزيد