جاري التحميل الآن
×

سبتة المحتلة… حين مزق الشباب المغربي القناع الإنساني الذي تتزين به أوروبا

سبتة المحتلة… حين مزق الشباب المغربي القناع الإنساني الذي تتزين به أوروبا

لم يحتج الشباب المغربي الذين تدفقوا نحو سبتة المحتلة إلى بيانات سياسية أو حملات إعلامية لكشف حقيقة الخطاب الأوروبي حول حقوق الإنسان، بل كانت خطواتهم نحو الأسوار كافية لإسقاط القناع الذي ظلت أوروبا تتخفى خلفه لعقود.

فما إن اقترب هؤلاء الشباب من المدينة المحتلة حتى اختفت لغة التضامن والإنسانية، وحلت محلها لغة الأمن والردع والإبعاد. وفي هذا السياق، لم يتردد رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز في الإعلان عن عزمه تسريع عمليات إعادة المهاجرين الذين دخلوا سبتة المحتلة بطريقة غير نظامية، في موقف يعكس بوضوح أن المبادئ التي تتغنى بها أوروبا سرعان ما تتراجع عندما يتعلق الأمر بمهاجرين قادمين من الضفة الجنوبية للمتوسط.

إن تصريحات سانشيز لا تمثل مجرد تدبير إداري عابر، بل تعبر عن عقلية سياسية ترى في المهاجر مشكلة أمنية قبل أن تراه إنساناً له حقوق وكرامة. وهنا يبرز التناقض الصارخ بين الخطاب الأوروبي الذي يرفع شعارات حقوق الإنسان في المحافل الدولية، وبين الممارسة الميدانية التي تجعل من الإبعاد السريع الخيار الأول دون الالتفات إلى الأبعاد الإنسانية والاجتماعية لهذه الظاهرة.

لقد كشفت أحداث سبتة المحتلة أن الصورة النمطية التي رُسمت لأوروبا باعتبارها الحاضنة الأولى للقيم الإنسانية لم تعد تقنع أحداً. فالاختبار الحقيقي للمبادئ لا يكون في المؤتمرات ولا في الخطب الرنانة، وإنما عند الحدود، حيث يُمتحن احترام الكرامة الإنسانية بعيداً عن الحسابات السياسية والانتخابية.

والأكثر غرابة أن الحكومة الإسبانية تدرك جيداً أن المملكة المغربية تتحمل، منذ سنوات، عبئاً أمنياً ولوجستياً ومالياً كبيراً في مكافحة الهجرة غير النظامية، وتمنع سنوياً آلاف محاولات العبور نحو أوروبا، مساهمة بذلك في حماية الحدود الجنوبية للاتحاد الأوروبي. ومع ذلك، يصر بعض المسؤولين الإسبان على اختزال الأزمة في سياسة الإبعاد السريع، متجاهلين أن معالجة الظاهرة تقتضي تعاوناً حقيقياً يقوم على تقاسم المسؤولية، لا على تحميلها لطرف واحد.

إن الشباب المغربي الذين خاطروا بحياتهم للوصول إلى سبتة المحتلة لم يفضحوا فقط هشاشة السياسات الأوروبية في مجال الهجرة، بل كشفوا أيضاً حدود الخطاب الأخلاقي الذي تتباهى به بعض العواصم الأوروبية. فقد سقطت الأقنعة عند أول اختبار، واتضح أن القيم المعلنة تخضع، في كثير من الأحيان، لحسابات المصالح والضغوط السياسية الداخلية.

إن الهجرة غير النظامية لن تتوقف بقرارات استعجالية أو بإجراءات الطرد السريع، ولن تُحل بتصريحات إعلامية تستهدف طمأنة الرأي العام الإسباني. فهذه الظاهرة نتاج اختلالات اقتصادية واجتماعية وجيوسياسية معقدة، ولا يمكن مواجهتها إلا من خلال شراكة عادلة تحترم الإنسان قبل الحدود، وتعترف بأن أمن المتوسط مسؤولية مشتركة وليست عبئاً يُلقى على عاتق المغرب وحده.

لقد آن الأوان لأن تعيد أوروبا النظر في خطابها قبل سياساتها، وأن تدرك أن المصداقية لا تُقاس بما يُقال في المحافل الدولية، وإنما بما يُمارس على الأرض. أما تصريحات بيدرو سانشيز، فقد قدمت دليلاً جديداً على العنصرية المغلفة و على التعطش للاستمرار في منطق إسبانيا الاستعمارية و أن أوروبا التي تُحاضر العالم في حقوق الإنسان مطالبة أولاً بأن تنجح في امتحان الإنسانية على أبواب سبتة المحتلة.

مشاركة المحتوى:

إرسال التعليق

المزيد