ماذا بعد 2030 ؟
قلم المرسول: بقلم الأستاذ عبد المنعم الكزان.
جلالة الملك محمد السادس في خطاب عيد العرش 2017، “وإذا أصبح ملك المغرب غير مقتنع بالطريقة التي تمارس بها السياسة، ولا يثق في عدد من السياسيين، فماذا بقي للشعب؟ لكل هؤلاء أقول: كفى، واتقوا الله في وطنكم… إما أن تقوموا بمهامكم كاملة، وإما أن تنسحبوا، فالمغرب له نساؤه ورجاله الصادقون. ولكن هذا الوضع لا يمكن أن يستمر، لأن الأمر يتعلق بمصالح الوطن والمواطنين. وأنا أزن كلامي، وأعرف ما أقول … لأنه نابع من تفكير عميق”.
أمام أزمة الثقة والضعف الذي يشهده المشهد السياسي المغربي ومنه الأداء الحكومي و البرلماني، برزت إشارات من المؤسسة الملكية، والتي على ما يبدو إجابات من هذه المؤسسة من خلال تفعيل اختصاصاتها الدستورية على أزمات بنيوية في التنظيمات السياسية. بدءا من الإهابة بعدم ذبح أضحية العيد بسبب ندرة المواشي، إلى التعيينات الجديدة في مؤسسات الحكامة، بحيث يتضح جليا أن ثمة إرادة ملكية لتحريك ما يمكن تحريكه.
لكن هذه المبادرات و الإشارات، رغم دلالتها ستبقى حبيسة الإنتظار، مالم يتم تفعيل العديد من المؤسسات الدستورية لإختصاصاتها، بالإضافة تحرك الفاعل السياسي بعد إلتقاط هذه التوجيهات، بدل اللهاث الإنتخابي الذي يستنزف طاقة بلورة وتفعيل البرنامج الحكومي المتغنى به و الموعود إلى السياسات العمومية وكما أنه يؤجل جوهر الفعل السياسي.
وفي خضم هذا الانتظار، يبرز السؤال الأكثر إلحاحا، هل يمكن للشباب والمثقفون والأكاديميون أيضا بعد استقالتهم من المشهد أن يعودوا باعتبارهم قوة تغيير في أحزاب وإنتخابات قيل عنها الشيئ الكثير بالإضافة إلى هيمنة العائلات والرساميل المالية الرمزية على التنظيمات الحزبية بإعتبارها أحد أهم اللبنات التي تبنى عليها السلطة التنفيذية والتشريعية كما تشكل بوابة للترقي في هياكل الدولة؟
لا يخفى على أحد أن ثمة قطيعة بين جزء كبير من المواطنين والممارسة السياسية التقليدية. بحيث أن لأحزاب التي يفترض أنها وسائط ديمقراطية تحولت إلى هياكل فارغة أو بالتعبير الدارج “دكاكين إنتخابية” ، والنقابات التي من المفترض أن تكون أدوات ضغط باتت جزءا من المشكلة نتيجة تكلسها المزمن.
إن هذا الفراغ، واعتبارا لكون الفعل السياسي لا يحب الفراغ اتجه البعض إلى بدائل الفضاءات للمقاومة سواء واقعية أو رقمية باعتباره أيضا منصات هامة للتعبير. لكن هذا التحول من السياسة المنظمة إلى السياسية في المجال الافتراضي أو فضاءات مقاومة الهيمنة يطرح أيضا أسئلة مفصلية حول آليات المشاركة والتأثير في السياسات، فهل المنصات الرقمية فضاءات تحرر حقيقية؟ أم أنه فقط فخ الوعي الزائف الذي تصنعه الخوارزميات المتحكم فيها ؟ هل تحررنا من هيمنة النخب التقليدية فقط لنقع تحت هيمنة رأسمالية المنصات التي تتحكم في بياناتنا وتوجيه وعينا حيث لاندري؟
المفارقة الغريبة أيضا في مبادرات بعض الفاعلين السياسيين التي ترفع شعار “تشبيب الحياة السياسية” أنها تبدو كمن يتعامل مع الشباب باعتبارهم أطفالا قاصرين . فربط هذه المبادرات بحدث مثل كأس العالم 2030 “جيل 2030” يذكرنا باستراتيجيات الصرف القديمة التي تشبه عقلية الديكتاتور الأرجنتيني خورخي فيديلا وكأس العالم 1978، لكن هنا يتم استبدال المطالب الهيكلية في إطار سيكلوجي ناعم الملمس بحماس الجماهير. ليبقى السؤال الحقيقي هل يمكن بناء شرعية الأحزاب السياسية على أساس الأحداث الكبرى بينما تتراكم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية؟ أليس هذا النوع من الخطاب محاولة لتحويل من فاعلين سياسيين إلى مجرد متفرجين؟ وماهو الأفق الاستراتيجي لهذا لنشاط سينتهي بعد خمس سنوات؟
إن الحقيقة التي لا يمكن الهروب منها إلى الأمام، هي أن المغاربة لم يعزفوا عن السياسة الحزبية الإنتخابية بسبب اللامبالاة، بل لأن الأحزاب السياسية لم تقدم أجوبة لمشاكله الوجودية خصوصا أن منهم من كان داخل هذه الأحزاب نفسها. فعندما يرتفع معدل البطالة إلى 21% وينبه البنك الدولي لخطورة ارتفاعها، بعد المندوبية السامية للتخطيط، وعندما تصبح القدرة الشرائية حلما بعيد المنال ويرتفع العجز في الميزان التجاري والتضخم إلى مستويات خطيرة، يصبح الحديث عن المشاركة السياسية في الأحزاب والإنتخابات إلى مجرد نكتة سخيفة لا تضحك أحدا، بحيث يتحول مع العزوف إلى نوع من المقاومة المضادة إنه نوع من الإحتجاج الصامت. بالإضافة إلى المقاومات تتخذ أشكالها غير تقليدية سواء ( “الآلتراس”، أو أغاني الراب ، أو البودكاستات و في بعض الأحيان الجداريات) بل والتنسيقات المجالية والفؤية وحتى “الفراشة” بإعتبارهم أداة لمقاومة الإقتصادية، ننبه هنا أنني لست بصدد إصدار حكم أخلاقي أو قانوني تجاه سلوك معين، بل هو تحليل، أي لست بصدد محاكمة وإصدار أحكام قيمة تجاه الأفراد، بل أحلل ظواهر اجتماعية وسياسية وهي ظواهر ليست هامشية كما يحلو للبعض تصويرها، بل هي تعبير عن رفض منظومة لم معطوبة.
لكن هذه الفضاءات المضادة نفسها ليست بمعزل عن الأختاق والتصريف بحيث تتحول أحيانا أشكال المقاومة هذه إلى أسلوب فرجوي كما هو الحال في المظاهرات التي تتحول إلى الإستثمار في (رايات ولافتات وقمصان حقائب ألبسة غيفارا أو شارات وقمصان شكري بلعيد أو رابعة…أو أو )بحيث تتحول إلى وسيلة تجارية لتفرغ من محتواها السياسي، كما أن المنصات الرقمية وإن كانت تمنح هامشا للتحرر وقد سبق لها أن نجحت نسبيا في عدة محطات (المقاطعة، إحتجاجات العديد من الدول، تعبئة للإنتخابات) فإنها الأن أصبحت تخضع للرقابة و التوجيه المزدوجيين رقابة سلطوية من داخل الدول، إلى جانب الرقابة على وسائل الإعلام، وهيمنة رأسمالية الرقمية عابرة للقارات. هنا يطرح هذا الإشكال التناقض الصارخ فبينما تمنحنا التكنولوجيا أدوات المقاومة، فإنه في الوقت نفسه يتم التلاعب بالخوارزميات التي تتحكم في ما نراه وما لا نراه بل وتدعم التفاهة، والبيانات التي تتحول إلى سلعة تباع وتشترى، كلها تجعلنا نتساءل هل يمكن بناء فضاء رقمي عمومي حر في ظل هذه الهيمنة المزدوجة؟
في هذا السياق، لابد أن نشير إلى أهمية خلق مؤسسة استراتيجية مستقلة تسير المجال الرقمي ونفس الشيئ يجب العمل على استقلالية الإعلام. إن هذا البعد الإستراتيجي لهذه المؤسسة المعنية بالمجال الرقمي يمكن أن تضمن إستقلاليتها عن اللولبيات السياسية والإقتصادية، كما يمكن أن يضمن لها الاستقلال أيضا على التأثير والتلاعب الخارجي. هذه النقطة محورية، لأن معركة التحول الرقمي ليست تقنية فحسب، بل هي معركة سياسية بامتياز. فمن يتحكم في البيانات يتحكم في الرأي العام،ومن يسيطر على الخوارزميات يوجه الوعي الجمعي، بالتالي أصبح من الملح جدا تكريس الديمقراطية الرقمية محليا و وطنيا وضمان عدم التلاعب بها بالشكل الذي يمكن معه أن يشكل الفضاء الرقمي بوابة للتأثير في السياسات العمومية سواء محليا أو وطنيا.
لكن الإشكال أكثر إلحاحا هو إلى أي حد سيستمر القبول باستمرار هذا الوضع؟ الخطابات الرسمية والسياسات العمومية تتعارض مع واقع الإقصاء اليومي لفئات عريضة ومؤثرة في المجتمع ، والمبادرات الموسمية الفلكلورية التي لا تمس جوهر المشكلات ولا تقدم حلول، بل قد تزيد الطين بلة.
والمغاربة لم يعودوا ينتظرون وعودا جوفاء، وأصبحوا يبحثون عن طريقهم الخاصة بالتعبير عن عدم الرضى، سواء بالهروب أو في الشارع أو مهما تكون طبيعة هذا الفعل على مستوى الشكل في الفضاء الواقعي أو في الفضاء الافتراضي. السؤال الأخر الذي تختار العديد من النخب السياسية هروب منه إلى الأمام وسياسة الآذان الصماء هل سيستمر تجاهل هذه المؤشرات أم أن تراكم السخط سيصل إلى نقطة اللاعودة؟
المشهد العام يشير بأننا أمام مفترق طرق. فإما أن يتم أبواب إدماج حقيقي، وإما أن يدفع الجميع ثمن هذا العبث. المواطن المغربي ليس سلعة للمتاجرة بها، ولا مجرد رقم في المعادلة الانتخابية، ولا وقودا لخطابات الجوفاء. فله أحلامه رغباته و انتظاراته وطموحاته والتي لا يمكن كبحها والسطو عليها والتلاعب إلى الأبد مهما كانت المبررات .
مشاركة المحتوى:


إرسال التعليق