عندما تجلد الثقافة على يد رهبان الريع.. في حضرة القديس بنسعيد.
قلم المرسول مع الأستاذ عبد المنعم الكزان
” عدو رجل السياسة هو المؤرخ!.. حتى وإن كان مأجورا، فهو يذكر ويتذكر” المفكر عبد الله العروي خواطر الصباح.
يمر ربع قرن إلا اسابيع قليلة عن الحلقة الشهيرة لبرنامج في الواجهة الذي كانت تقدمه الراحلة مليكة ملاك التي استضافت الدكتور السي عبد الله العروي بقامته الفكرية الكبيرة في حوار مع الصحفي ثم كاتب الدولة في الشباب لاحقا الأستاذ محمد الكحص و الذي بصم على عدة أفكار والتي مع الأسف لم يستمر بعضها رغم قوتها مع الوزراء اللاحقين و أكيد لحدود الساعة لم يتخلص قطاع الشباب من شبح انجازات محمد الكحص التي تجاوزت في اشعاعها وتقدميتها إنجازات وزراء دولة باعتراف الأصدقاء والخصوم.
التاريخ يعيد نفسه ليس كما هو ربما قد يعود بشكل مأساوي، فكيف لمن عاش بلورة فكرة الجامعات الشعبية ولقارن دور الشباب اليوم بالأمس رغم الإمكانات المرصودة ماليا وسياسيا.
الجامعات الشعبية كان لها صدى وتأثير كبير ليس على المجال الشبيبي بل أيضا بما أنها تربط بالتثقيف فقد كان لها تأثير كبير على المستوى الثقافي، الغائب في عصر حكومة الإلغارشيات الريعية، لتتحول الثقافة التي من المفروض أن تكون تجليا للإبداع الحر، وطبعا بما أن الوزارة تسيطر حتى على الشق الإعلامي والذي من المفروض أن يكون منصة للرأي المستقل، لكن مع الأسف فقد تحولا معا إلى فقط وأدوات لإعادة الهيمنة وتمرير خطاب سلطوي مغلف بلغة الانفتاح، ما نراه اليوم ليس تدبيرا قطاعيا للثقافة، بل تدبيرا للثقافة على شكل شركات للعلاقات العامة مما يزيد من تكريس هروب المثقفين، وما ينطبق عل الثقافة ينطبق على الإعلام الذي تحول إلى دعاية باستغلال سلطة الدعم العمومي إضافة إلى سلطة الحجب الرقمي كوسائل للسيطرة وإنتاج وعي زائف والذي بشكل أو بأخر يحافظ عل نفس التفاوتات الطبقية والرمزية باسم دمقرطة الثقافة والإعلام، في مشهد ثقافي زائف ومتزلف يتقن توزيع الولاءات والصمت عبر الدعم ليمارس الرقابة الناعمة، وذلك بنبد وتجويع المختلف وإحتضان المريد المطيع، ففي الوقت التي نسمع أبواق الدعاية تتحدث عن الدعم و الإبتكار، نكتشف أن الملايين تمنح لشركات غير سليمة على مستوى وضعها القانوني عبر فوزها بالصفقات، و كأن الوزارة المعنية فوق القانون، فهي لا تعترف إلا بالقرابة والولاء والخضوع وما ينطبق على الشركات ينطبق على التوظيفات والتسعينات، بحيث أن الوزارة لا تعترف بشيئ إسمه الاستحقاق والكفاءة.
مشهد سريالي آخر في معرض الكتاب حيث يقف المهدي بنسعيد ليتشدق بالعدالة الإجتماعية والمساواة والتقدمية والثقافة والتنوير وورائه لافتة كتب بلغة ركيكة لتكرس الخواء والفراغ الثقافي، إضافة إلى ثقافة الحجب والمنع كما في رواية 1984 لجوروج أورويل، أما بطاقة الفنان فتلك حكاية أخرى بطعم المأساة الإغريقية أو جان دارك في مسرحية القديسة جوان لجورج برنارد شو.
ما ينطبق على الدعم العمومي في قطاع الثقافة ينطبق على قطاع الإعلام ،حيث تمنح الأموال الطائلة لبعض القنوات والمواقع دون أي تقييم لا على مستوى الجودة ولا على مستوى الاستقلالية، بل منها من يحصل على الدعم رغم أنه يمتلك تمويلا أجنبيا، و الأدهى من ذلك هناك منابر حصلت على الدعم العمومي قامت بمهاجمة السياسة الخارجية للمملكة، ليتحول الإعلام إلى أداة إلهاء بدل أن يكون أداة تثقيف و تنوير و أيضا من أداة لممارسة الرقابة من خلال سلطته الرابعة إلى أداة للدعاية والتطبيل، بحيث لا ينشر التقارير النقدية لهيئات الحكامة، ولا تحقيقات الفساد و لا مقالات المثقفين الجريئة، خوفا من الخطوط الحمراء الاقتصادية بعد الخطوط السياسية، الإعلام أصبح يسير بمنطق من معي يدعم ومن ضدي يقصى من هذا الدعم، بحيث تحولت الثقافة إلى تجارة والاعلام إلى شركة للإعلانات وسبورة للبلاغات، لأن الوزارة الحالية تريد أن تجعل كل شيئ على مقاييسها و هواها من الدعم إلى الخطاب إلى النجومية، لتتحول الثقافة والفن والإعلام إلى تابرحات.
كل هذا ولا زالت المهدي بنسعيد وزير الشباب والثقافة والتواصل يتغنى بالعدالة الاجتماعية وهو يصرف الملايير في المركز ويترك المحيط والهامش في تكتيك إنتخابوي رخيص ومصالح عائلية وطبقية و قرابية مفضوحة لتبقى الهوامش عرضة ”للامبالاة المنظمة” في تكريس مقصود الإقصاء الأطراف والهامش وباقي ربوع الوطن إقصاء المهمشين من الشباب والفنانون والمثقفون الذين شقوا طريقهم بالمشي على الجمر وتسلق الصخور، انه وهم الثقافة كصورة خادعة تحاكي فقط الواقع محاكاة مشوهة، يتم فيها تصنيع مبدعين من ورق لتحتفي بهم في مهرجانات بدون أي مضمون فني أو ثقافي وندوات بلا جدوى وأفلام ترصد لها الملايين بلا تأثير في هذا الواقع المصطنع الذي يقتل الموهبة لصناعة جمهور يستهلك التفاهة والعبث.
آن الأوان لمقاومة تنبث من الهامش، من المثقفين والفنانين العضويين، اللذين يرفضون هذا الزيف، من الصحفيين اللذين يكتبون بدمائهم وجوارحهم من أجل التحرر من أجل مقاومة هذا التسلط، حتى تنعتق الثقافة ويعاد الفن المختطف للناس ويتخلص من الجحب والهيمنة لأن الفن ليس بضاعة تشترى والكلمات الحرة لا تموت، ولأن الثقافة ليست مسحوق لتجميل القبح بل هي ضمير المجتمع الحي الذي يتوق لبناء المستقبل في إطار خطة التاريخ.
إن الشأن الثقافي عند المهدي بنسعيد وعرابها عزيز أخنوش، يجعلنا نحس كأننا نعيش داخل أحد كوابيس لويس بروال، بحيث تطل علينا ليس باعتبارها تجربة ديمقراطية، بل كنسخة من الإجرام السياسي المقنن، من خلال تهميشها للشأن الثقافي بقوة عددية عمياء تدار بمنطق التحالفات لا بمنطق المبادئ هذا الأمر سيفضي حتما إلى تفكك المجتمع، وانتشار الفساد، وهو تحصيل حاصل لتحول إلى عملية حسابية يتقنها المقاولون أكثر من المفكرون، الثقافة ليست ديكورا نعلقه على البرامج الحكومية إنها الأساس الذي تنبني عليه السياسات العمومية، وإلا فإننا نحكم على السياسة بمنطق vente aux encheres، السياسة التي تقصي الثقافة لا تلد إلا الفساد والحكومة تقودها الحسابات العددية بدل الأخلاق لا يمكنها أن تبني وطنا بل تشتغل على بيعه في المزاد.
مشاركة المحتوى:


إرسال التعليق