جاري التحميل الآن
×

ترامب كما لم تعرفه: الوجه الآخر لرئيس استثنائي.

ترامب كما لم تعرفه: الوجه الآخر لرئيس استثنائي.

في عالم السياسة الأمريكية، قلما يمرّ الرئيس دونالد ترامب دون أن يترك أثراً عميقاً في بنية الدولة والمجتمع. فقد كان ترامب، خلال سنوات ولايته من 2017 إلى 2021، الرئيس الذي أتى من خارج المؤسسة السياسية، وتحدّى المعايير التقليدية في الحكم، وأثار جدلاً واسعاً داخل الولايات المتحدة وخارجها. ورغم هذا الجدل، إلا أنه كان وجهًا إيجابيًا لهذه التجربة يستحق الإنصاف والتحليل المتزن.

عرف الاقتصاد الأمريكي انتعاشًا ملحوظًا في عهد ترامب، خاصة قبل جائحة كوفيد-19. انخفضت معدلات البطالة إلى أدنى مستوياتها منذ عقود، وارتفعت معدلات التوظيف بين الأمريكيين من أصول إفريقية ولاتينية. خفّض ترامب الضرائب على الشركات والأفراد، مما شجع على الاستثمارات الداخلية، ورفع مؤشرات سوق الأسهم.

كما أعاد التفاوض حول اتفاقيات تجارية كبرى، وأبرزها “اتفاقية أمريكا الشمالية” (نافتا)، التي أعاد صياغتها بما اعتبره استعادة للعدالة في العلاقات الاقتصادية مع كندا والمكسيك.

تميّزت سياسة ترامب الخارجية بعدم التورط في حروب جديدة، رغم خطابه التصعيدي. انسحب من الاتفاق النووي الإيراني، فرض عقوبات قاسية على طهران، وواجه الصين بشدة على المستوى التجاري. كما انتهج سياسة “الضغط الأقصى” تجاه كوريا الشمالية، وفتح قنوات اتصال مباشرة مع زعيمها، كيم جونغ أون، في خطوة غير مسبوقة.

وعلى صعيد منطقة مينا الشرق الأوسط، و شمال أفريقيا رعى توقيع اتفاقيات “أبراهام” بين إسرائيل وعدد من الدول العربية، منها الإمارات والبحرين والمغرب، وهو ما شكّل تحولًا استراتيجيًا في شكل التحالفات بالمنطقة.

من أبرز القرارات التي حملت تأثيرًا جيوسياسيًا خارج السياق الأمريكي الداخلي، اعتراف إدارة ترامب، في ديسمبر 2020، بسيادة المغرب الكاملة على أقاليمه الصحراوية.

هذا الإعلان تتويجا لجهود المملكة المغربية سواء في العلاقات البينية و من خلال الحمولة الاستراتيجية للاتفاقات التي تربط البلدين ولكن بالأخص تثمينا لدور ملك المغرب في تحقيق التسامح و دعم الأمن و السلم العالميين. وهو اعتراف كان بالنسبة للرباط بمثابة اختراق استراتيجي في أحد أعقد الملفات الإقليمية.

ولأول مرة، تعترف قوة عظمى وعضو دائم في مجلس الأمن بسيادة المغرب على الصحراء، وهو ما أضفى شرعية سياسية على الموقف المغربي، وشكّل ضربة للمواقف الأخرى.

هذا القرار، الذي أثار ترحيباً كبيراً في الأوساط الرسمية والشعبية المغربية، اعتُبر من طرف كثيرين أيضا ترجمة لواقعية ترامب في السياسة الخارجية، والتي تغلّب المصالح المباشرة على المعايير التقليدية للدبلوماسية متعددة الأطراف.

أعاد ترامب تعريف العلاقة بين الرئيس والشعب. لم يتكئ على الإعلام التقليدي ولا على مراكز النفوذ المعروفة في واشنطن، بل خاطب الأمريكيين مباشرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لا سيما تويتر.

رغم الانتقادات التي لاحقته، فقد نجح في تكوين قاعدة شعبية وفية شعرت بأنه يتحدث بلغتها ويمثل تطلعاتها، خصوصًا في المناطق الصناعية المتضررة من العولمة.

لم يكن مجرد سياسي، بل ظاهرة اجتماعية – أعاد الاعتبار للطبقة العاملة البيضاء، وجعل من أصواتها قوة انتخابية حقيقية غير قابلة للتجاهل، حتى بعد خروجه من البيت الأبيض.

ما يراه البعض تهجماً على “الدولة”، اعتبره آخرون خطوة ضرورية لكشف تعقيدات البيروقراطية الأمريكية التي تميل إلى تعطيل القرار بدل خدمته.

ترامب تحدث بجرأة عن “الدولة العميقة” (Deep State)، وهاجم علنًا بعض الأجهزة الاستخباراتية، وفتح ملفات كثيرة كانت من المحرّمات، مثل التورط السياسي في التحقيقات الجنائية أو العلاقة المشبوهة بين الإعلام والسلطة التنفيذية.

وقد مثّل ذلك لحظة فارقة في تاريخ الحكم الأمريكي، إذ كسر حاجز الصمت حول “السلطة غير المنتخبة” التي تتحكم في القرار خلف الستار.

بعيدًا عن أمريكا، أثّرت “الترامبية” في مشهد عالمي أوسع. فقد ألهمت صعود قادة يتبنون نفس الأسلوب الحاد والشعبي، من البرازيل إلى المجر، وأعادت النقاش حول مفاهيم السيادة الوطنية ومحدودية العولمة.

حتى خصومه اضطروا للتكيّف مع آثار رئاسته، من أوروبا إلى الصين، إذ قلب قواعد الدبلوماسية وفرض واقعًا جديدًا على النظام العالمي.

دونالد ترامب، غيّر قواعد اللعبة العالمية وإذا أردنا فهم الولايات المتحدة في القرن الحادي والعشرين، فلا بد من التوقف عند هذه الظاهرة السياسية غير المسبوقة: دونالد ترامب… كما لم نعرفه من قبل.

مشاركة المحتوى:

إرسال التعليق

المزيد